
هناك أحداث في التاريخ لا تنتهي بانتهاء المعركة، لأنها تترك وراءها معنى يتجاوز تفاصيلها العسكرية. وحرب أكتوبر 1973 واحدة من تلك اللحظات التي يصعب اختزالها في خرائط الجبهات وأسماء المواقع وحسابات السلاح. فقد كانت، في معناها الأعمق، لحظة لاسترداد الثقة، وإعادة الاعتبار إلى فكرة الإرادة العربية، وإثبات أن الهزيمة، مهما كان وقعها، ليست قدرًا أبديًا.
ولعل عبارة الكاتب المصري الكبير توفيق الحكيم: «عبرنا الهزيمة» تختصر جانبًا مهمًا من دلالة أكتوبر. فالعبور لم يكن عبورًا مائيًا فحسب، وإنما كان خروجًا من حالة نفسية وتاريخية خلّفتها هزيمة يونيو 1967. يومها لم تخسر الجيوش العربية مواقع وأرضًا فحسب، بل أصابت الهزيمة الوعي العربي نفسه، وتركت وراءها أسئلة ثقيلة عن القدرة على المواجهة، وعن معنى القوة، وعن إمكانية استعادة المبادرة بعد انكسار بدا في لحظته عصيًا على التجاوز.
من هنا اكتسب السادس من أكتوبر 1973 معناه الاستثنائي. فعندما عبرت القوات المصرية قناة السويس، وبدأت القوات السورية هجومها على جبهة الجولان، لم يكن التحول عسكريًا وحده؛ إذ بدأت صورة جديدة تتشكل في الوعي العربي. لقد أثبتت الأيام الأولى من الحرب أن ما حدث في يونيو ليس نهاية التاريخ، وأن التفوق العسكري الإسرائيلي ليس حقيقة أبدية لا يمكن تحديها، وأن الإرادة حين تقترن بالتخطيط والإعداد قادرة على تغيير معادلات ظن كثيرون أنها ثابتة.
غير أن القيمة التاريخية لأكتوبر لا تتوقف عند أداء الجيوش في الميدان. فالحرب كانت أيضًا لحظة كاشفة لمعنى التضامن العربي، إذ تجاوزت المشاركة العربية حدود التعاطف السياسي إلى صور متعددة من المساندة العسكرية والاقتصادية والدبلوماسية. شاركت دول عربية بقوات ووحدات عسكرية، وقدمت دول أخرى دعمًا وإمكانات مختلفة، بينما تحركت الدبلوماسية العربية في المحافل الدولية دفاعًا عن الموقف العربي. وهكذا لم تعد المعركة شأنًا يخص دولتين تقاتلان على خط المواجهة، بل أصبحت قضية تتقاطع عندها إرادات عربية متعددة.
وفي المجال الاقتصادي ظهر النفط العربي عنصرًا مؤثرًا في المشهد الدولي. فقد اتخذت الدول العربية المنتجة للنفط، في سياق الحرب، إجراءات تتصل بالإنتاج والتصدير، الأمر الذي جعل الطاقة جزءًا من أدوات التأثير السياسي. وبذلك امتدت المعركة من الخندق إلى الاقتصاد، ومن الجبهة إلى أروقة السياسة الدولية، وأصبح واضحًا أن عناصر القوة العربية لا تختزل في الجيوش وحدها، وإنما تشمل الموقع والموارد والقدرة على التأثير في المصالح الدولية.
ولم يكن معنى التضامن آنذاك أن الخلافات العربية قد اختفت، أو أن الدول أصبحت متطابقة في رؤاها وحساباتها. على العكس، كانت الاختلافات السياسية قائمة، وكانت لكل دولة ظروفها وتقديراتها. لكن أهمية التجربة أنها أظهرت أن الاختلاف لا يحول بالضرورة دون الالتقاء حول قضية جامعة. وهذه ربما واحدة من أهم دلالات أكتوبر: أن التضامن الحقيقي لا يعني إلغاء التباين، وإنما القدرة على تحويل المشترك إلى مساحة للعمل.
لقد كان العامل النفسي من أكثر آثار الحرب عمقًا. فالأمم لا تنهزم في ميادين القتال وحدها؛ وقد تتحول الهزيمة، إذا طال أثرها، إلى صورة مستقرة عن الذات وعن المستقبل. لذلك كان استعادة القدرة على المبادرة جزءًا من الانتصار نفسه. لقد أعاد أكتوبر إلى الإنسان العربي شيئًا من ثقته بقدرته على الفعل، وأثبت أن الجرح الذي تركته 1967 يمكن مواجهته، وأن الهزيمة يمكن أن تكون محطة للتعلم وإعادة بناء القوة، لا حكمًا نهائيًا على المستقبل.
ومن هنا لا يبدو أكتوبر مجرد ذكرى عسكرية تستعاد كل عام، وإنما تجربة تاريخية تستحق القراءة في ضوء سؤال أوسع: ماذا يستطيع العرب أن يفعلوا عندما تتجه إراداتهم المتفرقة نحو هدف مشترك؟ لقد أظهرت الحرب أن الإمكانات العربية، مهما تعددت مصادرها، لا تتحول تلقائيًا إلى قوة؛ فهي تحتاج إلى تنسيق ورؤية وإرادة سياسية تستطيع أن تنقل التضامن من المشاعر والخطابات إلى السياسات والممارسات.
وهذا هو الدرس الذي يجعل أكتوبر حاضرًا بعد أكثر من نصف قرن. فالتاريخ لا تكون قيمته في تكرار الاحتفال به، وإنما في فهم اللحظات التي صنعت أثره. وفي أكتوبر اجتمعت عوامل عدة: استعداد عسكري، وإرادة سياسية، ومساندة عربية، وقدرة على استخدام الموارد المتاحة في أكثر من مجال. لذلك بقيت الحرب في الذاكرة العربية بوصفها لحظة تجاوز فيها الإنسان العربي أثر هزيمة سابقة، واستعاد شيئًا من ثقته بأن الواقع ليس مغلقًا أمام الإرادة.
إن «عبرنا الهزيمة» ليست، في هذا السياق، وصفًا لحركة عسكرية فقط، بل تختصر انتقالًا من حالة الانكسار إلى القدرة على الفعل. فالمعنى الأبعد لعبور القناة كان عبور حاجز نفسي صنعته هزيمة يونيو، وإعادة فتح الأفق أمام فكرة أن استعادة الأرض والكرامة تبدأ أولًا باستعادة القدرة على المبادرة.
ولهذا يبقى أكتوبر صفحة مهمة في تاريخ التضامن العربي، لا لأنه محا الخلافات العربية أو أنهى الصراع، وإنما لأنه قدم لحظة نادرة استطاعت فيها قضية مشتركة أن تجمع إمكانات متعددة في اتجاه واحد. وربما كان أهم ما يتركه ذلك التاريخ للأجيال الجديدة أن القوة لا تكمن في امتلاك الإمكانات وحدها، بل في القدرة على جمعها وتوجيهها حين تفرض اللحظة التاريخية ذلك.
لقد كان أكتوبر لحظة استعاد فيها العرب شيئًا من يقينهم بأنفسهم، وأثبتوا أن التضامن، حين يتحول من شعار إلى فعل، يستطيع أن يصبح قوة مؤثرة في التاريخ. ولهذا لا يبقى أكتوبر مجرد ذكرى لحرب مضت، بل يظل سؤالًا مفتوحًا عن معنى الإرادة المشتركة، وعن قدرة العرب على تحويل ما يجمعهم من تاريخ ومصالح وطاقات إلى عمل يصنع المستقبل، كما صنع في ذلك الخريف العربي الاستثنائي فارقًا لا يزال حاضرًا في الذاكرة




