مقالات

رحلة الحج الكبرى .. هل ضاعت الحقيقة بين النص والتأويل؟.. !قراءة لـ علي الشرفاء الحمادي تفتح أبواب التدبر .. وتعيد الإنسان إلى المنبع الأول ” القرآن الكريم

في رحلة العمر الكبرى .. يقف الإنسان أمام أسئلة لا تهدأ أبداً .. أسئلة تتجاوز تفاصيل الحياة اليومية .. ثم .. ثم تلامس جوهر الوجود ذاته : لماذا خلقنا في هذه الدنيا ؟ .. كيف نهتدي الي طريق الصلاح ؟ .. و .. و من أين نعرف الطريق الصحيح إلى الله ؟! .

.. وفي تلك الرحلة التي تتكرر كل عام .. تمضي ملايين الأقدام نحو بيت واحد .. يمر.. ثم ترتفع ملايين الأكف إلى سماء واحدة .. وتتردد الكلمات ذاتها على ألسنة البشر وهم يلبّون نداء بدأ منذ آلاف السنين .. غير أن السؤال الذي يظل معلقاً في فضاء الوعي .. ويطرق أبواب العقل بإلحاح : هل نفهم الحج كما أراده الله ؟ .. أم أننا نؤدي طقوس تراكمت فوقها طبقات من التأويلات .. حتى ابتعدت المسافة بين النص الإلهي والواقع ؟ .

.. و .. و هنا يقف المفكر العربي الكبير علي الشرفاء الحمادي .. أمام واحدة من أكثر القضايا الدينية حساسية وعمقاِ .. يقف كي يقدم قراءة مختلفة .. تعيد الإنسان إلى المنبع الأول .. إلى القرآن الكريم باعتباره المرجعية الكاملة .. والكتاب الذي لم يترك صغيرة ولا كبيرة تتصل بحياة الإنسان إلا أحاطها بياناً وتفصيلاِ .

.. وفي رؤيته الفكرية .. ينظر علي الشرفاء إلى القرآن باعتباره منهج رباني شامل .. وخريطة أخلاقية وإنسانية تنظم علاقة الإنسان بربه .. وعلاقته بنفسه وبالمجتمع وبالحياة كلها .. ومن هنا ينطلق سؤال الحج .

إذا كان الله سبحانه وتعالي يقول في كتابه الكريم : ” ما فرطنا في الكتاب من شيء ” .. فكيف يمكن لـ شعيرة بحجم الحج .. وبما تحمله من قداسة ورمزية أن تُترك بلا تفصيل إلهي واضح ؟

وهنا يأخذنا علي الشرفاء إلى قلب النص القرآني .. بعيداً عن لغة الضجيج .. ثم .. ثم يفتح أبواب التدبر أمام آيات الحج .. حيث تتكشف الصورة .. مختلفة في هدوئها .. عميقة في بساطتها .. شديدة الوضوح في مقاصدها .

من سورة الحج .. إلى البقرة .. إلى آل عمران .. ثم .. ثم سورة المائدة .. يرسم القرآن مشهد الحج .. باعتباره رحلة إيمانية تستند إلى التوحيد الخالص .. وتقوم على ذكر الله .. والطواف بالبيت العتيق .. والسعي بين الصفا والمروة .. والوقوف بعرفة .. وإتمام المناسك في إطار من التقوى والانضباط الأخلاقي .

.. و في هذه الرؤية .. يبدو الحج أقرب إلى رحلة تطهير للروح .. ومراجعة عميقة للنفس .. واستدعاء صادق لـ معنى الإنسان حين يتحرر من الغرور . ومن الأثقال التي راكمتها الحياة على قلبه .

الحج هنا ليس استعراض للمشقة .. ولا سباق في الطقوس .. ولا ازدحام باـ لشعائر التي تُؤدى بلا وعي .. إنّه لحظة انكشاف كبرى بين الإنسان وربه .. لحظة يتساوى فيها الجميع .. وتتساقط الألقاب والمكانات .. فلا يبقى سوى قلب يبحث عن الطمأنينة .

وفي قلب هذه القراءة .. يطرح علي الشرفاء الحمادي سؤالاً بالغ الحساسية : إذا كانت مناسك الحج الأساسية قد وردت بوضوح في القرآن الكريم .. فلماذا أُضيفت ممارسات لم يرد بشأنها نص قرآني صريح ؟

وهنا يقترب النقاش من واحدة من أكثر النقاط إثارة للجدل .. حين يتوقف الكاتب أمام بعض الممارسات الشائعة مثل تقبيل الحجر الأسود ورمي الجمرات .. متسائلًا: إذا كان الله قد فصّل لـ عباده شعائر الحج في كتابه .. فـ أين النص القرآني الذي يجعل هذه الممارسات جزءاً أصيلًا من المناسك ؟

إنه سؤال لا يطرحه علي الشرفاء بروح الصدام .. ولا بهدف إثارة الجدل من أجل الجدل .. وإنما يقدمه بـ إعتباره دعوة صريحة للتدبر .. وإعادة النظر .. والعودة إلى المصدر الأول الذي لا يأتيه الباطل .

في رؤيته .. يري علي الشرفاء الدين أكثر صفاء من أن تثقل روحه بـ إضافات البشر .. والعبادة أكثر قداسة من أن تحاصرها الوصاية .. والإنسان خلق بعقل يستطيع أن يفكر .. ويسأل .. ويتأمل .. دون خوف من الاتهام أو المصادرة .

ولهذا يصر الشرفاء الحمادي على فكرة جوهرية إلا وهي : علاقة الإنسان بالله علاقة مباشرة .. لا تحتاج إلى وسطاء يحتكرون الفهم .. أو يضعون الحواجز بين العبد وربه .. فالإيمان في جوهره تجربة فردية عميقة .. ومساحة حرية روحية .. لا يملك أحد حق مصادرتها .. ومن هذا المنطلق .. تأتي دعوته إلى إعادة قراءة العبادات من داخل القرآن نفسه .. بعيداً عن التشويش .. وبعيداً عن التراكمات التي صنعت مسافات طويلة بين الناس وبين المعنى الأول للدين .

علي الشرفاء لا يتحدث عن هدم وإنما عن مراجعة.. لا يدعو إلى صدام وإنما إلى يقظة عقل .. لا يبحث عن معركة وإنما عن فهم أكثر قرباً من النص الإلهي .

وها هي الأصوات تتكاثر .. وها هي الروايات تتشابك .. إلا أن علي الشرفاء يري أن القرآن سيظل هو البوصلة الأكثر أماناً .. كتاب لا يحتاج إلى إضافات كي يكتمل .. ولا إلى وسطاء كي يفهم .. لأن الله حين أنزله أنزله هداية للناس جميعاً .

وفي تأمله لآيات الحج .. يتوقف عند تلك الرسائل العميقة التي تتجاوز الحركة الجسدية للمناسك إلى معناها الإنساني الأرحب .. فالحج في القرآن دعوة إلى السكينة .. إلى التخفف من الصخب الداخلي .. إلى تهذيب السلوك .. إلى اجتناب الفسوق والجدال .. إلى أن يصبح الإنسان أكثر رحمة .. وأكثر نقاء .. و .. و أكثر إدراكاً لمعنى التقوى .

ولهذا يقول المولي عز وجل في القرآن الكريم : ” وتزودوا فإن خير الزاد التقوى ” .. صدق الله العظيم .. إنها ليست رحلة مكانية فقط وإنما رحلة إلى الداخل .. إلى القلب الذي أرهقته الحياة .. وإلى الروح التي تبحث عن نافذة نور .. وإلى العقل الذي يحتاج أن يتحرر من الخوف كي يرى الحقيقة بعين أكثر صفاء .

وفي رؤية علي الشرفاء فإن أخطر ما يصيب الدين .. أن يتحول إلى منظومة مغلقة تمنع السؤال .. أو تجعل التفكير جريمة .. أو تدفع الناس إلى التسليم الأعمى دون تدبر .. لأن الله خاطب الإنسان العاقل .. ودعاه دائماً إلى التأمل والتفكر والنظر .. وجعل العقل أحد أعظم النعم التي تميز الإنسان .

من هنا .. تصبح العودة إلى القرآن مشروع للوعي .. لا مجرد ممارسة دينية .. عودة إلى النص المؤسس .. وإلى روح الرسالة .. وإلى المعنى الذي يجعل الإنسان أكثر حرية .. وأكثر وعي .. وأكثر قدرة على التمييز بين ما هو إلهي خالص .. وما أضافته الأزمنة من اجتهادات وتأويلات .

وربما تكمن قوة طرح علي الشرفاء الحمادي .. في أنه لا يكتفي بإثارة الأسئلة .. وإنما يعيد فتح الباب أمام العقل كي يتحرك .. وأمام القلب كي يتأمل .. وأمام الإنسان كي يقترب من ربه دون خوف .. و .. و دون وصاية .

لـ يبقى السؤال الأهم .. الذي يتركه هذا الطرح معلقاً في وجدان كل من يقرأه أو يسمعه : إذا كان الله قد أكمل الدين .. وفصّل لـ عباده الطريق .. فهل نملك الشجاعة الكافية لـ نعود إلى كتابه بعين المتدبر لا بعين الموروث فقط ؟ .. ربما كانت رحلة الحج الحقيقية كما يراها علي الشرفاء الحمادي، تبدأ من هنا .. من لحظة الصدق مع النفس .. ومن قرار الإنسان أن يبحث عن الله في كتابه أولاً .. وأن يجعل من القرآن رفيق الرحلة ودليل الطريق والنور الذي لا ينطفئ .

وفي النهاية .. يظل الحج كما يقدمه القرآن .. رحلة إلى الله .. رحلة يتجرد فيها الإنسان من كل شيء إلا قلبه.

فهل نمتلك شجاعة التدبر ؟ .. وهل نملك الجرأة لـ نفتح القرآن من جديد .. لا بعين العادة بل بعين الباحث عن اليقين ؟ .. ربما هناك تبدأ الرحلة الحقيقية .. اللهم اني قد بلغت اللهم فاشهد .

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى