
ينطلق الحوار بين الأديان في الرؤية الإسلامية من أساس عقدي واضح، يتمثل في أن الإيمان في الإسلام لا يقتصر على الإيمان بالله وحده، بل يشمل الإيمان بجميع رسله وكتبه دون تفريق بين أحد منهم. فالمسلم لا يكتمل إيمانه إلا إذا صدّق بكل من أرسلهم الله لهداية البشر عبر التاريخ.
وقد قرر القرآن الكريم هذا الأصل الإيماني بوضوح في قوله تعالى:
﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ﴾.
وهذا يعني أن الإيمان في الإسلام قائم على الاعتراف بأن الرسالات الإلهية جميعها تنبع من مصدر واحد هو الله سبحانه وتعالى، وأن الأنبياء جميعًا جاؤوا لهداية الإنسان وترسيخ القيم الكبرى التي تقوم عليها الحياة الإنسانية، مثل العدل والرحمة والعمل الصالح.
ومن هنا فإن احترام المسلمين للرسل السابقين ولرسالاتهم ليس مجرد موقف أخلاقي أو مجاملة دينية، بل هو جزء أصيل من عقيدتهم. فالمسلم يؤمن بموسى وعيسى وسائر الأنبياء عليهم السلام بوصفهم رسلًا من عند الله، ويوقر رسالاتهم ويؤمن بأنها جاءت لهداية البشر.
وعلى هذا الأساس يصبح الحوار بين المسلمين وأتباع الديانات الأخرى حوارًا منطلقًا من مبدأ الاعتراف بالرسالات الإلهية جميعًا، ومن الإيمان بوحدة المصدر الإلهي الذي جاءت منه هذه الرسالات. ولذلك فإن الإسلام يفتح الباب واسعًا للتعارف والتعاون بين البشر، كما يشير القرآن الكريم إلى ذلك بقوله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾.
ومن هذا المنطلق الإسلامي يصبح الحوار بين الأديان وسيلة لتعزيز التفاهم الإنساني وإبراز القيم المشتركة بين الرسالات السماوية، بعيدًا عن الصراع أو الإقصاء. فالأديان في أصلها دعوة إلى الخير والعدل والسلام، وإذا أحسن أتباعها فهم رسالاتها فإنها يمكن أن تكون جسرًا للتعاون بين الشعوب لا سببًا للتنازع بينها.
ولهذا فإن المبادرات الفكرية والمؤسسية التي تسعى إلى تعزيز الحوار بين الأديان، مثل الجهود التي تقوم بها مؤسسة رسالة السلام، تمثل ترجمة عملية لهذا المبدأ الإسلامي، حيث تسعى إلى إبراز أن الإسلام في جوهره دين رحمة وسلام، وأن الإيمان بالرسل جميعًا يمكن أن يكون أساسًا متينًا لبناء جسور الثقة والتفاهم بين أتباع الديانات المختلفة.




