
في ليبيا، لم تعد الاغتيالات مجرد جرائم جنائية، بل أدوات سياسية تُستخدم لإعادة تشكيل المشهد وفق ميزان القوة والهيمنة. وحين يُغتال مرشح رئاسي محتمل في بلدٍ مُعلّق بين الوصاية والفوضى، فإن السؤال لا يكون: كيف قُتل؟ بل: من الذي خاف من بقائه حيًا؟
لم تكن جريمة اغتيال الشهيد المغدور سيف الإسلام معمر القذافي فعلًا معزولًا أو حدثًا أمنيًا عابرًا، بل حلقةً جديدة في سلسلة تصفية سياسية ممنهجة تستهدف كل من يهدد معادلة الهيمنة المفروضة على ليبيا منذ فبراير 2011. فالمستفيد الحقيقي من غياب سيف الإسلام ليس مجهولًا، بل تقف خلفه — وفق هذا التقدير السياسي — حكومات دول أجنبية نافذة تمسك بخيوط سلطات الأمر الواقع القائمة، وتدير المشهد الليبي بما يخدم مصالحها الاستراتيجية والاقتصادية.
لقد كان سيف الإسلام مرشحًا جديًا للفوز في أي انتخابات رئاسية نزيهة، وهو ما جعل وجوده خطرًا سياسيًا حقيقيًا على منظومة حكم مافيوزية عميلة، تعيش على إقصاء خصومها، وتستمد بقاءها من الاستقواء بالأجنبي لا من صندوق الاقتراع. ومن هنا، لم يكن التخلص من سيف الإسلام خيارًا أمنيًا، بقدر ما كان قرارًا سياسيًا بامتياز، اتُّخذ لحماية وضع شاذّ لا يحتمل اختبار الإرادة الشعبية.
أما الأيادي الآثمة التي نفّذت الجريمة، فليست — في هذا السياق — سوى أدوات دموية داخل ميليشيات مافياوية مأجورة، موظَّفة في خدمة سلطات أمر واقع فاقدة للشرعية، تسعى إلى إطالة بقائها على سدة الحكم لسنوات وسنوات، ولو كان الثمن ضياع السيادة الليبية، ونهب الثروات، وإدامة الانقسام، تحت مظلة حماية أجنبية مكشوفة لم تعد تخفى على أحد.
ومع ذلك، فإن التاريخ الليبي، القريب والبعيد، يعلّمنا حقيقة لا تقبل الجدل: تصفية الرموز لا تُنهي القضايا الوطنية.
فبرغم إعدام سلطات الاحتلال الإيطالي الفاشي لشيخ الشهداء عمر المختار في 16 أكتوبر 1931، ثم إبعاد ونفي الزعيم الوطني بشير السعداوي من قبل حكومة المملكة الليبية المتحدة في فبراير 1952، ثم اغتيال القائد الرمز معمر القذافي خلال عدوان حلف الناتو في 20 أكتوبر 2011، وأخيرًا اغتيال نجله سيف الإسلام في الثالث من فبراير 2026، بقي ويبقى الرهان الحقيقي على الشعب الليبي، صاحب الحق الأصيل في السيادة والسلطة. فالشعوب — كما يعلّمنا التاريخ — قد تُمهل، لكنها لا تُهمل.
إن المشاركة التي قُدّرت بأكثر من مليون ونصف المليون ليبي في تشييع جنازة الشهيد سيف الإسلام لم تكن مشهد حزن فحسب، بل صرخة غضب شعبي ضد سلطات الأمر الواقع، ورسالة رفض صريحة لما آلت إليه الأوضاع في شرق البلاد وغربها على حدّ سواء. لقد عبّر هذا الحضور المليوني عن انكسار جدار الخوف، وعن وعيٍ جمعيٍّ آخذ في التشكل بأن استمرار هذا المسار يعني ضياع ليبيا دولةً وهويةً ومستقبلًا.
إن الهبة الشعبية قادمة لا محالة، لا بوصفها فعل فوضى، بل كحركة تاريخية لاستعادة السيادة، وكنس آثار نكبة فبراير 2011، وتحرير القرار الوطني من الهيمنة الأجنبية، وإعادة السلطة إلى الشعب الليبي، صاحب الحق الأصيل في تقرير مصيره ورسم مستقبل بلده.
فالتاريخ لا يرحم العملاء ووكلاء الأجنبي، ولا يخلّد إلا من انحاز لإرادة الشعوب…
وليبيا، مهما طال ليلها، لن تُحكم إلى الأبد من خارج إرادة أبنائها.



