
عندما اندلعت حرب السادس من أكتوبر عام 1973، كانت دولة الإمارات العربية المتحدة قد أكملت عامها الثاني تقريبًا منذ قيام اتحادها، ومع ذلك وجدت نفسها أمام اختبار مبكر لموقفها من القضايا العربية الكبرى، فلم تتعامل الإمارات مع الحرب باعتبارها مواجهة تخص مصر وسوريا وحدهما، وإنما نظرت إليها باعتبارها قضية عربية تتصل بالصراع العربي الإسرائيلي وبالحقوق العربية والفلسطينية. وانعكس هذا الموقف في تحرك إماراتي متعدد المسارات، جمع بين الدعم السياسي والاقتصادي والإنساني والإعلامي، واستخدام الإمكانات النفطية في إطار الموقف العربي من الحرب.
وتشير دراسة أكاديمية نشرها مركز دراسات الكوفة للباحث علي المهداوي، تناولت موقف الإمارات من حرب أكتوبر إلى أن الدولة وظفت سياستها الخارجية في المعركة على المستويات السياسية والاقتصادية والإعلامية، مؤكدة أن دعمها لمصر وسوريا كان أحد أبرز ملامح سياستها العربية في تلك المرحلة.
موقف رسمي منذ الأيام الأولى للحرب
مع اندلاع العمليات العسكرية في السادس من أكتوبر، أعلنت الإمارات موقفًا رسميًا مؤيدًا لمصر وسوريا، وعبّرت عن إدانتها للهجوم الإسرائيلي، كما أعلنت دعمها للقوات المسلحة العربية المشاركة في الحرب ، ولم يكن البيان الإماراتي مجرد تعبير دبلوماسي؛ فقد حمل رسالة سياسية إلى الرأي العام العربي والدولي، إذ ربط الموقف الإماراتي بين مساندة مصر وسوريا وبين الدفاع عن القضايا العربية، وأكد تضامن الدولة مع البلدين في مواجهة الحرب.
وتوضح الوثائق التي تناولتها الدراسة أن الإمارات اعتبرت الحرب مناسبة لإظهار موقفها من القضايا العربية، في وقت كانت فيه الدولة لا تزال في بدايات تجربتها الاتحادية.
النفط.. ورقة اقتصادية في المعركة السياسية
كان النفط أحد أبرز مظاهر التضامن الإماراتي خلال الحرب ففي الثامن من أكتوبر 1973 اتخذت الإمارات قرارًا بقطع النفط عن الدول التي تساند إسرائيل، في خطوة جاءت متزامنة مع قرارات عربية مماثلة خلال أزمة النفط التي رافقت حرب أكتوبر، وتبرز أهمية الخطوة في أنها نقلت الموقف العربي من نطاق البيانات والمواقف السياسية إلى استخدام إحدى أهم الأدوات الاقتصادية المتاحة للدول العربية المنتجة للنفط.
وتذكر الدراسة أن قرار قطع النفط الإماراتي جاء تضامنًا مع الموقف العربي، وأنه استهدف الدول المساندة لإسرائيل خلال الحرب، كما ربطت المصادر بين هذا القرار وبين استخدام النفط باعتباره إحدى أدوات الضغط السياسي في الصراع.
المال والمساعدات.. دعم يتجاوز الموقف السياسي
لم يقتصر التضامن الإماراتي على الموقف السياسي أو قرار النفط، بل امتد إلى الجانب المالي، وتورد الدراسة أن الإمارات فتحت مراكز للتبرع بالدم والمال والمساعدات لمصر وسوريا، كما قدمت بعثات طبية لدعم البلدين خلال الحرب، وبحسب الأرقام الواردة في المصدر، قدمت الإمارات مليوني جنيه لمصر و100 مليون دولار لسوريا، كما أعلنت استعدادها للمساهمة في تغطية نفقات الحرب العربية الإسرائيلية.
وتكشف هذه الخطوة عن طبيعة مختلفة للتضامن؛ فالدعم لم يكن محصورًا في إعلان التأييد، بل تحول إلى مساهمات مالية ومساعدات مباشرة، بما يعكس توظيف الدولة لإمكاناتها الاقتصادية في دعم الموقف العربي خلال الحرب.
الشعب الإماراتي.. تضامن من المجتمع إلى جانب الدولة
امتدت حالة التضامن أيضًا إلى المستوى الشعبي، وتشير المادة المقدمة للتقرير إلى فتح مكاتب للتبرع والتطوع، وإلى مساهمة أبناء الإمارات في دعم المجهود الحربي، بما يعكس انتقال القضية من إطار القرار الرسمي إلى مساحة المشاركة الشعبية، وهذا الجانب مهم في قراءة العلاقة المصرية الإماراتية خلال حرب أكتوبر، لأنه يوضح أن التضامن لم يكن محصورًا في المؤسسات الحكومية، وإنما ارتبط كذلك بمشاعر شعبية تجاه مصر والقضايا العربية.
المساعدات الطبية.. الوجه الإنساني للتضامن
في الحروب، لا تقاس المساندة فقط بالسلاح والمال، وإنما كذلك بالقدرة على التعامل مع آثار المعارك على الجنود والمصابين، وفي هذا السياق، أرسلت الإمارات بعثات طبية إلى مصر وسوريا، وفق ما توثقه الدراسة، في إطار المساعدات التي قدمتها خلال الحرب.
ويمثل هذا المسار أحد الجوانب الإنسانية في الموقف الإماراتي، إذ تحولت المساندة إلى خدمات ومساعدات مرتبطة مباشرة باحتياجات المصابين والجهد الطبي المصاحب للعمليات العسكرية.
تضامن إعلامي وسياسي مع القاهرة ودمشق
إلى جانب المال والنفط والمساعدات الطبية، اتخذ الموقف الإماراتي بعدًا إعلاميًا إذ سعت إلى توظيف أدواتها الإعلامية والسياسية لإبراز وجهة النظر العربية بشأن الحرب، خصوصًا في ظل ما اعتبرته انحيازًا في بعض وسائل الإعلام الغربية تجاه إسرائيل كما تحركت دبلوماسيًا لتقديم موقفها من الحرب أمام الرأي العام الدولي، في محاولة لدعم الموقف العربي سياسيًا وإعلاميًا.
وبذلك أصبح التضامن الإماراتي متعدد المستويات: موقف رسمي، دعم اقتصادي، مساهمة مالية، مساعدات إنسانية، وتحرك سياسي وإعلامي.
شهادة من داخل المؤسسة العسكرية
بعد الحرب، ظهرت في مصر إشادات بالموقف الإماراتي، ومن بينها ما نقله المصدر عن الرئيس المصري أنور السادات في خطاب أمام مجلس الشعب في يناير 1974، حين تحدث عن الدعم الذي تلقته مصر في بداية الحرب، وأشار إلى مساهمات عربية، من بينها الدعم الإماراتي.
وفي تصريحات له يشير اللواء الدكتور سمير فرج، الخبير العسكري المصري، إلى أن وصول خبر مشاركة الجانب الإماراتي إلى جانب الجنود المصريين على الجبهات قوبل بالسعادة والتقدير، واعتبره تعبيرًا عن عمق الترابط بين البلدين.
وتكتسب هذه الشهادة أهميتها من كونها صادرة عن شخصية عسكرية مصرية عاصرت الحرب، وتقدم زاوية من داخل المؤسسة العسكرية المصرية على طبيعة الحضور الإماراتي في تلك المرحلة.
موقف يتجاوز حدود المعركة
وتكشف قراءة الموقف الإماراتي في حرب أكتوبر أن التضامن مع مصر لم يكن حدثًا منفصلًا عن رؤية أوسع للسياسة الخارجية الإماراتية في السنوات الأولى من عمر الاتحاد، فالدراسة تشير إلى أن الإمارات ربطت بين الأمن العربي والقضية الفلسطينية، ورأت أن استقرار المنطقة يرتبط بحل القضية الفلسطينية وإنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية.
ومن هنا يمكن فهم تعدد أدوات الدعم خلال الحرب: فالموقف السياسي، والدعم الاقتصادي، والمساعدات الطبية، والقرار النفطي، كلها تحركت في اتجاه واحد هو مساندة مصر وسوريا في مواجهة إسرائيل وتعزيز الموقف العربي.
لحظة فارقة في العلاقات المصرية الإماراتية
كانت حرب السادس من أكتوبر واحدة من المحطات المبكرة التي كشفت طبيعة العلاقة بين مصر والإمارات بعد قيام الاتحاد، ففي وقت كانت فيه الإمارات دولة حديثة التأسيس، اتخذت موقفًا عربيًا واضحًا من الحرب، وقدمت أشكالًا متعددة من الدعم لمصر وسوريا. وتخلص الدراسة التي بين أيدينا إلى أن الإمارات كانت من الدول العربية المساندة لمصر وسوريا خلال الحرب، وأن دعمها شمل المساعدات المالية والمفارز الطبية وغيرها من صور المساندة.
لذلك بقيت حرب أكتوبر في الذاكرة المشتركة بين البلدين باعتبارها إحدى المحطات التي تجسد فيها التضامن العربي بصورة عملية؛ تضامن لم يتوقف عند حدود الخطاب السياسي، وإنما ظهر في المال، والنفط، والمساعدات الطبية، والتبرعات الشعبية، والتحرك السياسي والإعلامي.




