
اللواء عبد الفتاح شنش يكشف تفاصيل معركة الخداع الاستراتيجي قبل نصر أكتوبر: كيف نجحت مصر في تضليل إسرائيل وتحقيق المفاجأة التاريخية؟
اللواء شنش: القيادة المصرية جعلت إسرائيل ترى استعدادات الحرب بعينيها دون أن تدرك حقيقتها.. والسادات قاد الخداع السياسي والدبلوماسي وصولًا إلى ساعة الصفر
أكد اللواء أركان حرب عبد الفتاح شنش، أحد أبطال حرب أكتوبر المجيدة، أن انتصار السادس من أكتوبر عام 1973 لم يبدأ لحظة عبور القوات المصرية قناة السويس واقتحام خط بارليف، وإنما سبقته معركة أخرى لا تقل أهمية عن المعركة العسكرية، وهي معركة الخداع الاستراتيجي التي خاضتها الدولة المصرية بمختلف مؤسساتها، واستطاعت من خلالها تحقيق المفاجأة العسكرية وإرباك تقديرات القيادة الإسرائيلية.
جاء ذلك خلال كلمته في احتفالية مؤسسة رسالة السلام العالمية، التي المقامة بمركز التعليم المدني التابع لوزارة الشباب والرياضة تحت عنوان «نصر أكتوبر والعبور إلى الجمهورية الجديدة»، ضمن فعاليات المؤسسة لإحياء الذكرى الثالثة والخمسين لانتصارات أكتوبر المجيدة.
واستهل اللواء عبد الفتاح شنش كلمته بالإشارة إلى أنه سبق أن تحدث خلال لقاء عُقد يوم الاثنين الماضي عن جوانب متعددة من حرب أكتوبر، سواء ما يتعلق بمرحلة الإعداد للحرب أو العمليات العسكرية الفعلية، ولذلك فضل أن يتناول في هذه المناسبة جانبًا آخر من الملحمة التاريخية، وهو الخداع الاستراتيجي الذي سبق بدء العمليات.
وأوضح أن الحديث عن حرب أكتوبر غالبًا ما يرتبط بالمشاهد الكبرى التي يعرفها المصريون، وفي مقدمتها عبور قناة السويس، ورفع العلم المصري على الضفة الشرقية، واقتحام خط بارليف، إلا أن هذه الإنجازات سبقتها معركة معقدة دارت في ميادين التخطيط والمعلومات والاستخبارات والسياسة والإعلام، وكان هدفها الأساسي حرمان العدو من معرفة حقيقة النوايا المصرية.
المفاجأة الاستراتيجية.. مفتاح خطة العبور
وأشار اللواء عبد الفتاح شنش إلى أن خطة العمليات المصرية «بدر» اعتمدت على تحقيق المفاجأة الاستراتيجية باعتبارها أحد العناصر الحاسمة لتعويض التفوق الإسرائيلي في بعض مجالات التسليح والتكنولوجيا.
وأوضح أن القيادة المصرية كانت تدرك أن نجاح الحرب يتطلب إخفاء حقيقة الاستعدادات العسكرية وموعد بدء الهجوم، حتى لا تتمكن إسرائيل من توجيه ضربة استباقية تعطل العملية العسكرية قبل انطلاقها.
وأضاف أن هذه المهمة كانت شديدة الصعوبة، لأن القوات المصرية كانت تحتاج إلى حشد المعدات والجنود وتجهيز وسائل العبور والإمدادات على امتداد الجبهة، في وقت كانت إسرائيل تمتلك وسائل متطورة للاستطلاع والمراقبة وجمع المعلومات.
وأكد أن المعضلة الأساسية أمام المخطط المصري كانت تتمثل في كيفية تنفيذ الاستعدادات العسكرية الحقيقية أمام أعين العدو، دون أن يدرك أن مصر تستعد لخوض حرب واسعة النطاق.
عبقرية الخداع.. أن يرى العدو الحقيقة ويفسرها بصورة خاطئة
وشدد شنش على أن جوهر الخداع الاستراتيجي المصري لم يكن إخفاء جميع الحقائق والتحركات العسكرية، وإنما دفع العدو إلى تكوين صورة ذهنية خاطئة عن هذه التحركات، ثم المحافظة على تلك الصورة لأطول فترة ممكنة.
وأوضح أن القيادة المصرية عملت على جعل الإسرائيليين يرصدون بعض الاستعدادات الفعلية، لكنهم يفسرونها باعتبارها تدريبات أو مناورات اعتيادية، وليس تحضيرًا لحرب وشيكة.
وأشار إلى أن كثرة المناورات والتحركات العسكرية والتصريحات خلال الفترة السابقة للحرب ساعدت على ترسيخ اعتقاد لدى الجانب الإسرائيلي بأن ما يجري على الضفة الغربية لقناة السويس يمثل نشاطًا عسكريًا مألوفًا.
وأكد أن هذا الأسلوب أدى إلى تحويل معلومات صحيحة حصل عليها العدو إلى تقديرات مضللة، ليس لأن المعلومات نفسها كانت كاذبة، ولكن لأن تفسيرها جاء خاطئًا نتيجة القناعات السابقة التي ترسخت لدى القيادة الإسرائيلية.
وأضاف أن الخطة استهدفت كذلك تضليل العدو بشأن مستوى القدرات القتالية والفنية للجنود المصريين، وحقيقة تجهيز مسرح العمليات، وتوقيت بدء الهجوم واتجاهاته الرئيسية.
استغلال الصورة الذهنية الإسرائيلية عن المصريين
وتطرق اللواء عبد الفتاح شنش إلى أحد الجوانب النفسية لخطة الخداع الاستراتيجي، موضحًا أن القيادة المصرية استفادت من الصورة النمطية التي كانت لدى بعض دوائر التقدير الإسرائيلية عن المصريين وقدراتهم العسكرية.
وقال إن الجانب الإسرائيلي كان يميل، بحسب تحليله، إلى الاعتقاد بأن المصريين يبالغون أحيانًا في تصريحاتهم بشأن قدراتهم واستعداداتهم، ويتحدثون عن إمكانات عسكرية أو نوايا هجومية لا تتطابق بالضرورة مع الواقع.
وأوضح أن المخطط المصري أدرك إمكانية الاستفادة من هذه النظرة، فعمل على ترسيخها بدلًا من مواجهتها، حتى يواصل الجانب الإسرائيلي التقليل من احتمالات اتخاذ مصر قرارًا حقيقيًا بالحرب.
وأشار إلى أن هذه السياسة جعلت الثقة المفرطة في التقديرات السابقة لدى بعض القيادات الإسرائيلية تتحول إلى نقطة ضعف، استثمرتها مصر في معركة المعلومات التي سبقت إطلاق النيران.
أربعة محاور رئيسية لخطة الخداع الاستراتيجي
وأوضح شنش أن خطة الخداع الاستراتيجي المصرية اعتمدت على تكامل أربعة محاور رئيسية، هي المحور السياسي، والمحور الدبلوماسي، والمحور الإعلامي، والمحور العسكري.
وأكد أن نجاح الخطة لم يكن نتيجة إجراء منفرد، وإنما ثمرة التنسيق بين هذه المحاور، بحيث تتكامل التحركات السياسية والمواقف الدبلوماسية والرسائل الإعلامية مع الاستعدادات العسكرية الفعلية، لتشكيل صورة مضللة لدى القيادة الإسرائيلية.
أولًا: المحور السياسي ودور الرئيس أنور السادات
أكد اللواء عبد الفتاح شنش أن الرئيس الراحل محمد أنور السادات اضطلع بدور رئيسي في إدارة المحور السياسي، من خلال سلسلة من القرارات والمواقف التي أسهمت، وفقًا لتحليله، في إرباك التقديرات الإسرائيلية بشأن احتمالات اندلاع الحرب.
وأشار إلى إعلان السادات عام 1971 عامًا للحسم، ثم انتهاء ذلك العام دون اندلاع الحرب، وما ترتب على ذلك من انتقادات وسخرية وتشكيك في جدية التهديدات المصرية.
وأوضح أن عدم وقوع الحرب في الموعد الذي توقعه البعض أسهم في تعزيز اعتقاد الجانب الإسرائيلي بأن التصريحات المصرية بشأن الحسم العسكري قد تتكرر دون أن تتبعها مواجهة فعلية.
وتوقف شنش أمام قرار الرئيس السادات في يوليو 1972 بإنهاء مهمة أعداد كبيرة من الخبراء العسكريين السوفييت في مصر، واصفًا إياه بأنه قرار سياسي جريء كانت له انعكاسات على تقديرات العدو.
وأشار إلى أن القرار أسهم، وفقًا لروايته، في انتشار تصورات تفيد بأن القوات المسلحة المصرية ستواجه صعوبات في تشغيل المعدات والتسليح السوفيتي المتطور دون الخبراء، وأن قدرتها على شن حرب واسعة قد تكون محدودة.
وأضاف أن هذه الانطباعات عززت لدى بعض دوائر التقدير الإسرائيلية احتمالات اتجاه مصر إلى المفاوضات والحلول السياسية بدلًا من الحرب.
كما تناول اللواء شنش خطاب الرئيس السادات في الذكرى الثالثة لوفاة الرئيس جمال عبد الناصر، يوم 28 سبتمبر 1973، مشيرًا إلى أن غياب الإشارات المعتادة إلى الحرب في الخطاب، بحسب روايته، أسهم في ترسيخ الاعتقاد بأن المواجهة العسكرية ليست وشيكة.
وتطرق كذلك إلى الدكتور أشرف مروان، أحد الشخصيات التي ارتبط اسمها بالعمل الاستخباراتي خلال تلك المرحلة، مستعرضًا الرواية التي تنسب إليه دورًا في عملية تضليل الأجهزة الإسرائيلية.
ثانيًا: المحور الدبلوماسي والاتصالات الدولية
وانتقل اللواء عبد الفتاح شنش إلى المحور الدبلوماسي، موضحًا أن التحركات المصرية على الساحة الدولية اتسمت خلال الفترة السابقة للحرب بإظهار الاهتمام بالحلول السلمية والسياسية للصراع العربي الإسرائيلي.
وأشار إلى أن مصر واصلت تحركاتها داخل المحافل الدولية، وعملت على تقديم صورة تعكس رغبتها في تسوية الصراع عبر الوسائل الدبلوماسية.
وتحدث عن لقاءات واتصالات جرت بين مسؤولين مصريين وأمريكيين، ومن بينها لقاء وزير الخارجية المصري بنظيره الأمريكي، وما نُشر آنذاك بشأن مطالبة الجانب المصري الولايات المتحدة بالتدخل للمساهمة في إيجاد حل للصراع في الشرق الأوسط.
وأكد أن هذه التحركات ساعدت، في إطار الخداع الاستراتيجي كما عرضه، على تعزيز الانطباع بأن القاهرة لا تزال تعول على الحل السياسي، وأنها لا تتجه إلى شن هجوم عسكري وشيك.
ثالثًا: التعاون الاقتصادي مع الولايات المتحدة
واستعرض شنش جانبًا آخر من الإجراءات التي اعتبرها داعمة لخطة الخداع، ويتمثل في استمرار التعاون الاقتصادي بين مصر وجهات أمريكية خلال الفترة السابقة للحرب.
وأشار إلى مشروع خط أنابيب لنقل البترول بين منطقة السويس وساحل البحر المتوسط، وما صاحبه من تعاون اقتصادي مع مؤسسات وشركات أمريكية.
وأوضح أن هذا التعاون حمل، بحسب تحليله، رسالة غير مباشرة مفادها أن مصر تعمل على تطوير علاقاتها الاقتصادية مع الولايات المتحدة، الحليف الرئيسي لإسرائيل، وهو ما قد يقلل في نظر أجهزة التقدير المعادية من احتمالات اتجاه القاهرة إلى مواجهة عسكرية قريبة.
وأكد أن أهمية هذه الإجراءات لا تكمن في طبيعتها الاقتصادية وحدها، وإنما في تأثيرها المحتمل على الصورة السياسية العامة التي تشكلت لدى العدو الإسرائيلي.
رابعًا: المحور الإعلامي وتوجيه تقديرات العدو
وأكد اللواء عبد الفتاح شنش أن الإعلام كان أحد عناصر منظومة الخداع الاستراتيجي التي سبقت حرب أكتوبر.
وأوضح أن الخطة الإعلامية سعت إلى تقديم رسائل وصور ذهنية تساعد على توجيه أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية نحو استنتاجات غير صحيحة بشأن نوايا مصر.
وأشار إلى أن الرسائل الإعلامية كانت تتكامل مع التصريحات السياسية والتحركات الدبلوماسية والأنشطة العسكرية، حتى يبدو المشهد العام متسقًا مع الاعتقاد بأن الحرب ليست وشيكة.
وشدد على أن التأثير في طريقة تفكير العدو وتقديره للمعلومات كان أحد الأهداف الرئيسية لهذه الإجراءات.
المحور العسكري.. التخطيط العلمي لاختيار ساعة الصفر
وانتقل شنش إلى المحور العسكري، مؤكدًا أن تحديد موعد بدء العمليات لم يكن قرارًا عشوائيًا، وإنما جاء نتيجة دراسات عسكرية وعلمية دقيقة تناولت مختلف الظروف التي يمكن أن تؤثر على نجاح عملية العبور.
وأوضح أن القيادة المصرية استعانت بخبرات متخصصة في مجالات الرصد والجيولوجيا والهيدروجرافيا وغيرها من المجالات العلمية، بهدف تحديد أنسب الظروف الطبيعية لبدء العمليات.
وأشار إلى أن الدراسات تناولت اختيار أنسب شهور السنة للحرب، ثم تحديد الأيام المناسبة، وصولًا إلى اختيار الساعة الأكثر ملاءمة لبدء الهجوم.
وأضاف أن المخططين درسوا حركة الشمس وزوايا سقوط أشعتها، وتأثيرها في رؤية الطيارين أثناء تنفيذ المهام الجوية، وكذلك حركة القمر والظروف المرتبطة بالإضاءة الليلية.
كما جرت دراسة اتجاهات الرياح وسرعاتها وتأثيراتها المحتملة في بعض الأعمال القتالية وأعمال القصف المدفعي.
وأكد أن هذه الحسابات تكشف حجم الجهد العلمي والعسكري الذي سبق الحرب، وأن نجاح العمليات لم يكن قائمًا على الحماس وحده، بل على الدراسة الدقيقة للظروف الطبيعية والفنية والعملياتية.
القوات الجوية والإعداد للمعركة
وتناول اللواء عبد الفتاح شنش دور القوات الجوية المصرية ضمن منظومة الإعداد العسكري، مشيرًا إلى ما تطلبته العمليات من تجهيزات واستعدادات مسبقة، وتنسيق بين مختلف الأفرع والتشكيلات.
وأوضح أن العمليات الجوية كانت جزءًا من الخطة العسكرية الشاملة، وأن تحقيق النجاح استلزم توافق توقيت تنفيذ المهام الجوية مع تحركات القوات البرية وبقية عناصر العملية.
وأكد أن هذا التنسيق كان من العوامل المهمة لضمان بدء العمليات بصورة منظمة وتحقيق الأهداف المحددة في المرحلة الأولى.
الخداع على المستوى التعبوي والتكتيكي
وأشار شنش إلى أن الخداع العسكري امتد إلى المستويات التعبوية والتكتيكية، ولم يقتصر على القرارات الصادرة عن القيادة العليا.
وأوضح أن المستوى التكتيكي يشمل مختلف التشكيلات والوحدات، من الكتائب والسرايا والفصائل والجماعات، إلى جانب أسلحة الإسناد والتخصصات الفنية ووحدات الإمداد والتموين والاتصالات.
وأشار إلى أن الإجراءات التعبوية والتكتيكية سعت إلى تقديم التحركات المصرية باعتبارها جزءًا من نشاط التدريب المعتاد، وإبعاد الأنظار عن طبيعة الاستعدادات الفعلية.
وتحدث عن تداول معلومات توحي بأن بعض الجنود يعانون من الإرهاق والقلق نتيجة استمرار وجودهم في مواقع الجبهة، وأن القيادة تتخذ إجراءات مرتبطة بالتدريب وإعادة تنظيم أوضاع القوات، بما يعزز الاعتقاد بأن النشاط الجاري لا يمثل استعدادًا لهجوم قريب.
آلاف الساعات من التدريب على عبور قناة السويس
وأكد اللواء عبد الفتاح شنش أن القوات المسلحة المصرية خاضت تدريبات مكثفة استمرت آلاف الساعات للإعداد لعملية العبور واقتحام خط بارليف.
وأوضح أن التدريب تناول أدق التفاصيل التي سيواجهها الجندي عند بدء العمليات، بدءًا من ركوب القوارب المطاطية، وتحديد ترتيب الأفراد داخل كل قارب، وصولًا إلى النزول على الضفة الشرقية والتعامل مع الساتر الترابي.
وأضاف أن الجنود تدربوا على تسلق الساتر الترابي واجتيازه، وعلى فتح الممرات اللازمة لعبور الدبابات والعربات المدرعة، إلى جانب التنسيق مع مختلف الأسلحة المعاونة.
وأشار إلى أن تكرار التدريب كان يهدف إلى رفع كفاءة المقاتلين، وتحويل الإجراءات المعقدة إلى مهام واضحة يستطيع كل جندي تنفيذها بدقة في أصعب ظروف القتال.
وشدد على أن هذه التدريبات عكست مدى اهتمام القيادة المصرية بالتفاصيل، وأن النجاح في اقتحام التحصينات الإسرائيلية كان ثمرة إعداد طويل وتنسيق دقيق.
صباح السادس من أكتوبر.. الجنود يلعبون الكرة أمام أعين الإسرائيليين
وكشف اللواء عبد الفتاح شنش عن أحد الأمثلة اللافتة للخداع التكتيكي صباح يوم السبت السادس من أكتوبر 1973، موضحًا أن بعض الوحدات المصرية الصغيرة دفعت بعدد من الضباط والجنود إلى شاطئ قناة السويس لممارسة أنشطة يومية ورياضية بصورة تبدو طبيعية.
وأشار إلى أن بعض الجنود مارسوا كرة القدم والكرة الطائرة الشاطئية، بينما انشغل آخرون بغسل ملابسهم في مياه القناة، ونزل بعضهم إلى المياه.
وأوضح أن هذه الأنشطة كانت تجري أمام أعين القوات الإسرائيلية الموجودة على الضفة الشرقية، التي كانت تراقب التحركات المصرية بصورة مستمرة.
وأكد أن هذه المشاهد قدمت صورة توحي بالهدوء وعدم وجود استعدادات غير عادية، في الوقت الذي كانت فيه القوات المسلحة المصرية تقترب من ساعة بدء الهجوم.
وأشار إلى أن هذه الإجراءات ساعدت، بحسب شهادته، على استمرار الاعتقاد الإسرائيلي بأن التحركات المصرية لا تتجاوز الأنشطة الاعتيادية، وأن الحرب ليست على الأبواب.
واعتبر أن هذه الواقعة تقدم مثالًا على دقة خطة الخداع الاستراتيجي، التي امتدت إلى المظاهر اليومية للجنود، بهدف إخفاء النوايا العسكرية الحقيقية.
نجاح الخداع الاستراتيجي وإرباك القيادة الإسرائيلية
وأكد شنش أن خطة الخداع الاستراتيجي حققت أهدافها بدرجة كبيرة، وأسهمت في إرباك تقديرات القيادة السياسية والعسكرية الإسرائيلية حتى الساعات الأخيرة التي سبقت اندلاع الحرب.
وأوضح أن الجانب الإسرائيلي ظل يعتمد على تقديراته السابقة بشأن ضعف احتمالات اندلاع مواجهة عسكرية واسعة، رغم وصول مؤشرات وتحذيرات خلال الفترة الأخيرة.
وأشار إلى أن تضارب المعلومات مع القناعات المسبقة أدى إلى حالة من الشك وعدم اليقين لدى القيادة الإسرائيلية، الأمر الذي أضعف قدرتها على التعامل مع حقيقة الاستعدادات المصرية في الوقت المناسب.
وشدد على أن نجاح الخداع الاستراتيجي سبق النجاح العسكري في ميدان القتال، ومهد الطريق أمام القوات المسلحة المصرية لبدء عملياتها وتحقيق عنصر المفاجأة يوم السادس من أكتوبر.
المقاتل المصري صاحب الدور الحاسم في تحويل الخطة إلى انتصار
وأكد اللواء عبد الفتاح شنش أن نجاح التخطيط والخداع الاستراتيجي لم يكن ليحقق أهدافه دون شجاعة المقاتل المصري وكفاءته واستعداده للتضحية.
وأشار إلى أن الجنود المصريين اندفعوا إلى المعركة بقوة وبسالة لاسترداد الأرض والكرامة، مسلحين بإيمانهم بالله وثقتهم بعدالة قضيتهم، ومستندين إلى تدريب عسكري مكثف وإعداد جيد.
وأوضح أن المقاتل المصري استلهم بطولات رفاقه الذين سبقوه إلى الشهادة، وكان مستعدًا لتقديم أغلى ما يملك دفاعًا عن وطنه.
وشدد على أن انتصار أكتوبر جاء نتيجة تكامل القيادة والتخطيط والعلم والتدريب والتسليح المناسب مع الروح القتالية العالية التي تحلى بها أبناء القوات المسلحة المصرية.
وأكد أن التجربة المصرية أثبتت أن التفوق العسكري لا يرتبط بالسلاح والتكنولوجيا وحدهما، بل يتطلب حسن التخطيط وإدارة المعلومات وفهم طريقة تفكير الخصم، إلى جانب امتلاك الإنسان القادر على تنفيذ المهام وتحمل المسؤولية.
ختام مؤثر بالدعاء للشهداء والمصابين ولمصر
واختتم اللواء عبد الفتاح شنش كلمته بالدعاء إلى الله أن يتغمد شهداء الوطن بواسع رحمته، وأن يمن على المصابين والجرحى بالشفاء العاجل، مستحضرًا ما قدمه أبطال القوات المسلحة المصرية من تضحيات في سبيل تحرير الأرض واستعادة الكرامة الوطنية.
وأعرب عن أمله في أن تظل مصر قوية بأبنائها، عزيزة بكرامتها، مرفوعة الرايات، قادرة على مواجهة التحديات وحماية أمنها واستقرارها.
وأكدت كلماته الختامية أن انتصار أكتوبر سيظل مصدرًا للفخر الوطني، وأن ما قدمه الشهداء والمصابون وأبطال القوات المسلحة يمثل رصيدًا تاريخيًا وإنسانيًا يتعين الحفاظ عليه ونقله إلى الأجيال الجديدة.
واختتم اللواء عبد الفتاح شنش حديثه بترديد الدعاء لمصر ثلاث مرات، قائلًا:
«حفظ الله مصر، حفظ الله مصر، حفظ الله مصر».




