منوعات

حين يغيب المثقفون… تتراجع الأخلاق ويعلو الضجيج سليم عبد الكريم الهندي

لم يكن المثقفون في يوم من الأيام مجرد حملة شهادات أو أصحاب مؤلفات، بل كانوا ضمير المجتمع الحي، وحراس قيمه، وصوت العقل في أوقات الأزمات؛ فالمثقف الحقيقي لا يكتفي بتفسير الواقع، بل يسعى إلى ترشيده، ولا يساير التيار حين ينحرف، بل يقف في وجهه دفاعًا عن الحقيقة والكرامة الإنسانية.

وفي زمن الأزمات، تتضاعف مسؤولية المثقف؛ فالمجتمعات التي أنهكتها الحروب والانقسامات لا تحتاج إلى مزيد من الضجيج، بل إلى أصوات تمتلك الحكمة، وتوازن بين حرية الرأي والمسؤولية الوطنية، وتعيد الاعتبار للأخلاق بوصفها أساسًا لكل مشروع نهضوي. غير أن المشهد الذي نعيشه اليوم يكشف، في كثير من الأحيان، غيابًا مؤلمًا لهذا الدور، أو انكفاءً عن أداء رسالته، أو انخراطًا في خطابات تزيد الانقسام بدلًا من رأب الصدع.

وحين يغيب المثقفون عن المشهد، لا يبقى الفراغ طويلًا؛ إذ تملؤه الأصوات الأكثر صخبًا، وتتصدره لغة الاتهام والتخوين، وتتحول منصات التواصل إلى ساحات للجدل العقيم بدلًا من أن تكون فضاءات للحوار والتنوير. وعندها تتراجع قيمة الكلمة المسؤولة، ويضعف تأثير الفكر، وتصبح الإثارة أكثر رواجًا من الحقيقة.

إن الثقافة ليست كمية من المعلومات، ولا براعة في الخطابة، ولا حضورًا إعلاميًا لافتًا، وإنما هي منظومة من القيم، وفي مقدمتها النزاهة، والصدق، والعدالة، واحترام الإنسان. لذلك، فإن المثقف الذي يفقد بوصلته الأخلاقية يفقد جوهر رسالته، مهما امتلك من علم أو شهرة؛ فالكلمة التي لا تحكمها الأخلاق قد تتحول إلى أداة هدم بدل أن تكون وسيلة بناء.

وفي واقعنا الفلسطيني، حيث تتعاظم التحديات بفعل الاحتلال والحرب والانقسام والأزمات الإنسانية، يصبح دور المثقفين أكثر أهمية من أي وقت مضى؛ فالمطلوب اليوم هو خطاب يعزز الوحدة، ويرسخ ثقافة الحوار، ويشجع على التفكير النقدي، ويمنح الناس الأمل دون أن يتجاهل الحقيقة، وينتقد الأخطاء دون أن يهدم الثوابت أو يمزق النسيج الاجتماعي.

ولا يعني ذلك أن يتحول المثقف إلى مبرر للأخطاء أو صامت أمام التجاوزات، بل إن رسالته تقتضي ممارسة النقد المسؤول، القائم على الحقائق، والهادف إلى الإصلاح، بعيدًا عن الشعبوية أو تصفية الحسابات؛ فالمثقف الحقيقي هو الذي يختلف بأخلاق، ويعارض بمسؤولية، ويضع مصلحة المجتمع فوق أي اعتبار آخر.

إن الأمم لا تُبنى بالسياسة وحدها، ولا بالاقتصاد وحده، وإنما تُبنى أيضًا بمنظومة أخلاقية يحرسها الوعي، ويغذيها الفكر، ويصونها أصحاب الضمائر الحية؛ ولذلك فإن غياب المثقفين عن أداء دورهم لا يمثل خسارة للنخبة وحدها، بل يترك أثره في المجتمع كله، حين تتراجع لغة الحكمة، ويعلو الضجيج، وتختلط الحقائق بالأوهام.

إن استعادة مكانة المثقف ليست مسؤولية المثقفين وحدهم، بل مسؤولية المجتمع بمؤسساته وإعلامه وجامعاته، عبر إعادة الاعتبار لقيمة المعرفة، وتشجيع الحوار، وتوفير المساحات التي ينتصر فيها الفكر على الانفعال، والحجة على الصراخ، والأخلاق على المصالح الضيقة.

فحين يستعيد المثقفون رسالتهم، تستعيد المجتمعات بوصلتها. وحين تقترن المعرفة بالأخلاق، يصبح الوعي قوة قادرة على حماية المجتمع، وصون وحدته، وفتح الطريق نحو مستقبل أكثر استقرارًا وعدلًا وإنسانية.

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى