مقالات

دكتورة فينوس فؤاد تكتب.. في ذكري ميلاده أحمد نوار.. الخبرة و القدوة و الابداع

“احمد  نوار”  هو أحد أهم رواد الفن التشكيلي المعاصر في مصر والوطن العربي ، هو فنان تشكيلي مصري صاحب تاريخ طويل في الفن والادارة الثقافية.

ولد احمد اسماعيل نوار في قرية صغيرة تدعى “يوسف شريف”، تتبع بلدة “شية” بمحافظة الغربية،  حيث ينتمي لعائلة كبيرة ميسورة الحال ، بدأ حياته الدراسية بالالتحاق بكتاب “الشيخ علي” لحفظ القرآن وتعلم الكتابة ثم التحق بمدرسة “شية” و فيها ظهرت موهبته الاولي و كان متفوقا في مادة الرسم وشجعه أخيه الأكبر على مواصلة طريقه الفني ، ثم التحق بكلية الفنون الجميلة و تخرج فيها عام 1967 وفي العام التالي لتخرجه حصل على أول جائزة دولية في الرسم في “بينالي إيبيثا الدولي” بإسبانيا،  تقديرا له عن لوحة من ضمن اللوحات التي رسمها في فترة النكسة، تلك الفترة التي ابدع فيها “نَوار”  لوحات عدة على الخشب الحبيبي مثل لوحة “استعداد وترقب” التي حصلت على المركز الأول في “بينالي إيبيثا الدولي” و كانت الجائزة مركبة لها جزء مالي، بالإضافة إلى منحة دراسية كاملة لمدة أربع سنوات مقدمة من الحكومة الإسبانية، لكن نوار كان قد انضم إلى الجيش المصري في صفوف المجندين ، فلم يستطيع السفر، بينما تأثر في هذه المرحلة  بالقضايا الإنسانية، فابدع في التعبير عن الآلام الإنسانية والحقوق المفقودة و في مقدمتها قضية فلسطين التى استحوذت على عدد كبير من أعماله الفنية تجاوز عددها  70 لوحة.

“نوار* فنان أكاديمي دارس لجميع المدارس الفنية، هاضما لها ، متفهما لخصائصها ، لهذا اختار منهجه الإبداعى التجريبي الذي ظل يتنقل من خلاله و علي مدار اكثر من ٦٠ عاما من الابداع مرتحلا بين الوان مختلفة من الفنون ، فالتجريب عند نوار وسيلة للعبور فوق قيد المحاكاة ، و وسيلة فعالة للتمرد علي الأطر المرجعية  ،  ولكن تجربيبية نوار  هى تجريبية انتقائية ذات مرجعية تراثية تستلهم ، وتنتقى  مع حرصه الدائم على أن يكون الشكل الفنى العام لأعماله ينتمي للمعاصرة  المغلفة بخبرات جماليات العمل الفني من لون و اضاءة و حركة مع عدم الانفصال عن الهوية بما يعنيه المصطلح من إنتماء تاريخى ، حيث يميل  نوار  بشخصيته الوطنية من الطراز الأول إلى الحفاظ علي الإرث الجمالى الذط يحمل سمات هويته ، و يعكسه في اعماله من تجريد و زهد في الشكل، و انصراف عن المشابهة مع المرئيات الواقعية بهدف عدم انشغال المتلقي في المقارنات، وكذلك الحرص علي ترك مساحة للتأمل الروحى وتفاعل المتلقي مع اللوحات.

تأثر “نوار”  بأجواء الحرب عام 1967 و ظلت مشاهدها حاضرة في أفكاره و حسه الوطني ومسيرته، وكانت تلك بداية انغماسه في القضايا الإنسانية، فتمادي في التعبير عن الآلام الإنسانية والحقوق المفقودة على مستوى العالم

 حرص “نوار” علي المشابهة الواقعية في عدد محدود من الاعمال  التي انجزها علي مدار مشواره الطويل كما في مجموعة “معادلة السلام”.

يعتبر الرسم هو الأساس في معظم اعمال “نوار” سواء كان  تصويرا أم طباعة أم تشكيل مجسم، حيث يعتبر “نوار” ان الرسم هو  الأساس الإنشائي الذي يبني عليه عناصر العمل الفني وجماليته، ومن دونه يفقد هذا البناء التشكيلي بنيته فينهار ولا يحقق شيئا. كما نلاحظ أن العنصر الدرامي مكوّن مهم في اعماله التشكيلية ايا كان اسلوب معالجتها ، فاللوحة لديه تروي قصة او بطولة او صراع او احداثا هامة يرغب في التركيز عليها لتمنح العمل عمقا مختلفا عما تحققه الوسائل والتقنيات الأخرى

بينما تظل الخطوط الهندسية المركبة فى تفاعلها مع التشكيلات العضوية في الكثير من اعمال نوار هي القوة الدامجة بين الوجدان والعاطفة فى تداخلهما بتأويلات متنوعة ،  فخلق عالم من ازدواجية مثيرة للتساؤلات ،  وفى اكثر الاشكال التجريدية فى أعمال نوار نعثر على تمثيلات صورية طبيعية ، كما نشاهد في مشوار نوار الفني أعمالا فنية تجمع بين الصلابة والرهافة ، وبين الظلمة والنور ، وبين الاقتضاب و الرمز والتفصيل.

من اهم ما يميز اعمال “نوار” هو المجموعات الفنية التي تتميز بوحدة الموضوع و اختلاف المعالجات، تلك المجموعات التي اطلق علي بعضها مجموعة “قريتي” 1960. كذلك مجموعات “الأرض المقدسة” و”جبل أبو غنيم” و”الوباء”، وهذه الأخيرة تناول فيها جائحة “كورونا”  كما يسيطر الابيض والاسود علي مجموعة كبيرة من اعماله

 استطاع “نوار” في اعماله التشكيلية اكتشاف الاسرار الكامنة خلف المرئيات ، و وجد ضالته المنشودة في الانسجام الخفى فى الاشكال المجردة وكذلك فى الاشكال الطبيعية .

الصروح الميدانية .. “الحرية” و “الارادة” و  “التحدي”

شارك احمد نوار في  مشروع ضخم تنافس فيه كبار مثالى العالم لإقامة 7 تماثيل ضخمة على شاطئ  سانتا كاتارينا ، فصمم نوار تمثال “التحدي” على شاطئ نهر  سانتا كاتارينا  ،  التمثال جزء من مشروع ضخم تبناه مجلس المدينة للاستفادة من أراضى طرح النهر ، على جانبيه بتحويلها إلى مكان حضارى يجذب الناس إليه ويتناسب مع احتياجات العصر ،  وتضمن التخطيط للمشروع اختيار عدد من كبار المثالين الأجانب على مستوى العالم لإقامة سبعة تماثيل ضخمة تتوزع على شاطئ النهر هم “أوسكار نيمير” من البرازيل ، و “ماتيس جورتيز” من ألمانيا ، و “بروس بيزلى” من الولايات المتحدة ، “البرتو بالى” من الولايات المتحدة الأمريكية ، و “خوس ماريا سيرفنتى” من أسبانيا ، و “أحمد نوار” من مصر  ، و قد صمم نوار تمثالا يكمل الثنائية التى سبق له أن أقامها فى المكسيك ايضا ، وتضم تمثالان الأول اسماه  “الحرية” الذى أقيم بجزيرة النساء بالشمال ، والثانى اسماه ” الإرادة” الذى أقيم بمدينة شيتومال بالجنوب ، وهما تمثالان من الحديد والصلب يزن الواحد منهما ما بين 5 إلى 8 أطنان وملونان بالأبيض والأسود من هنا ولدت لدي نوار فكرة تمثال “التحدى” ليكون استكمالا لثلاثية أحلام البشر ، “الحرية” و “الارادة” و “التحدي”

ممشي نهر النيل.. الحلم 

في عام ٢٠٠٧ افصح نوار عن حلم يراوده و هو أن ينفذ مشروع مماثل مثل هذا المشروع على جانبي نهر النيل فى أى موقع من المواقع التى يمر بها النهر ، وأن يتم التخطيط له بشكل علمى متقن و سيظل هذا الحلم صالحا للتطبيق علي ممشي نهر النيل، و في المدن الجدبدة في مصر و التي اصبحت تضاهي المدن العالمية في جودة التخطيط و الاهتمام بالثراء البصري لدي المواطنين.

تجريد و تفاصيل و رموز

اهتم “نوار”  منذ بداياته  الأولى فى أوائل السبعينات وحتى الآن  بالشكل العضوى والشكل الهندسى والعلاقة بينهما ، كما ان العلاقة  الرمزية تكاد تكون الاساس المحورى الذى أقام عليه الفنان نسقه الجمالى في الاعمال الفنية التي ابدعها. بينما يشكل الفراغ فضاءََ لكوكب نوار الخاص به، والذي يخطط احلامه فيه وينشر فيه تاثير الضوء علي ما يريد اظهاره او اخفاءه

بينما لايميل “نوار” الى التكوينات التقليدية، أو الى مثاليات القواعد الثابتة، لكنه يسعى الى إبتكار شكل أو نمط فنى خاص به و بعالمه الخاص الذي يسعي فيه للرقي بالإنسان وعالمه الذي يشكل محورا اساسيا في اعمال “نوار”.

الانسان ظهر في بدايات “نوار* الفنية لكنه اصبح رمزا في مراحله ، يستقى موضوعاته من دراما الواقع العربى، واغتراب الإنسان فى كون لم يفلح فى تحقيق الوئام معه، أو تحقيق السلام مع نفسه فيظهر تارةشهيد و تارة اخري محارب و مناضل من اجل السلام والحرية ، كما يلوذ” نوار” بتراث المنطقة العربية وخاصة التراث الإسلامى, ليمنحه قوة للتميز مستخدما المربع والمثلث الذي يرمز به الي شموخ و عراقة الاهرامات في بعض اعماله كمساحات تجريدة بنائية داخل لوحاته ، احيانا يتحول الانسان في عالم “نوار” الي كائنات فضائية هائمة في الفضاء، متعلقة بخيوط تشبه الحبل السري تربطها بالأرض.

ولهذا وعلي مدار مشوار ممتد منذ ما يقارب ستون عاما من الابداع يظل “نوار ” كالصرح الشامخ العملاق متميزا بمواهبة المتعددة التي يملك مفاتيحها ،  بأستاذيتة اامعتادة وفهمه العميق لتلابيب الفن والابداع ، ليقدم خبراته لمن يرغب في الاستفادة منها فى تواضع العلماء.

الحس الوطني و استنهاض الشباب

يؤمن “نوار” بأن  الفنان قائداً قادراً على أن يستنهض أمة بالفن من أجل السمو والارتقاء ، فدمج مفردات العصر بسرعته وتطوره بأحداث التاريخ المصيرية ، واستعراضها في معظم اعماله التي يكسوها ملامح الوطنية والتمسك بالهوية والعزة والكرامة ، نوار يجسد حلمه وحكمته بموهبته التى منحها الله لقلة من المبدعين مستلهماً من ملحمة حرب أكتوبر حيث كان نوار جندياً مشاركاً فى حرب الاستنزاف في طاقم القناصة لكتيبة الاستطلاع نداء وحافزاً إبداعياً في العديد من لوحاته مستخدما اللغة والرمز والحركة والموسيقي و المؤثرات الخارجية كأطر مختلفة يغلف لها اعماله الفنية ليضمن تفاعل المتلقي معه ، و منذ بدايات نوار في اللوحة الحائطية الضخمة التى أنجزها أثناء مشروع التخرج عام 1967 التى تبلغ مساحتها حوالى 10م × 3م  وكان موضوعها يدور حول فكرة البعث والحساب التي كشفت عن بدايات طالب موهوب وواعد بالعطاء الكثير ، ملهما للأجيال ، صاحب فكر متميز ، يغدق بعلمه علي تلاميذه و كل من يعمل معه.

 مقاتل الثقافة والفنون

يعتبر احمد نوار من اهم الفنانين المرتبطين

بقضايا وطنية و حميمية تميزه عن غيره من الفنانين اللذين تلقوا جزء كبير من تعليمهم بالخارج حيث انه بعد حصوله علي درجة البكالوريوس في كلية الفنون الجميلة قسم الحفر بالقاهرة عام 1967  ،  حصل علي دبلوم الجرافيك من أكاديمية سان فرناندو بمدريد 1974   ، ثم حصل علي دبلوم فى التصوير الجدارى من أكاديمية سان فرناندو بمدريد 1975، و كذلك درجة الأستاذية فى الرسم من أكاديمية سان فرناندو بمدريد  1975، اي انه اغترب لسنوات طويلة و تتلمذ علي ايدي اساتذة اجانب كثيرين و لكنه لم يغترب فكريا، و تمسك بهويته و تعمق في التعبير عنها رافضا جميع اشكال التغريب سواء على المستوى الفني أو المستوى الإنسانى ، فقد شارك نوار فى العمل الوطنى ، حيث كان جنديا مقاتلاً فى الجيش المصرى ، و كان قناصا في شبابه ، وكان ايضا مقاتلا علي المستوي الفني والثقافي ،  فكان الوطن محورا اساسيا  حاضرا  بقوة في لوحاته

، وربما كان للمناصب التي تولاها احمد نوار ثأثيرا مباشرا علي تبنيه لقضايا الهوية والانتماء في الثقافة المصرية، فهو عضو مؤسس بنقابة الفنانين التشكيليين المصريين ، و عضوا بجمعية وكالة الغورى للفنانين التشكيليين ، و عضوا بمجلس إدارة هيئة الآثار المصرية و كذلك عمل عضوا بالمجلس الاستشارى بالمؤسسة الدولية للسير الذاتية – كمبريدج – بالمملكة المتحدة ، مما اثقل خبراته ، كما كان مؤسسا وعميدا لكلية الفنون الجميلة جامعة المنيا، كما شغل منصب المشرف العام على صندوق انقاذ آثار النوبة ، و كذلك ترأس قطاع المتاحف بالمجلس الأعلى للآثار ، كما ترأس قطاع الفنون التشكيلية والهيئة العامة لقصور الثقافة بوزارة الثقافة

احمد نوار… قناص الجوائز

اطلق علي “احمد نوار” لقب القناص في الفن والثقافة ، و امتدت هذه الصفة لتشمل الجوائز ايضا ، حيث تتميز رؤية نوار الإبداعية بالمزاوجة بين التجريب والمعاصرة والتمسك بالهوية. فحصلت أعماله على العديد من الجوائز المحلية والعالمية مثل جائزة الدولة التشجيعية عام 1979، وجائزة الدولة التقديرية في الفنون عام 2013، وجائزة النيل في الفنون عام 2018، وجائزة العمل المتميز في بينالي بكين الدولي الأول في الصين عام 2003 و كذلك حصل علي العديد من الاوسمة الدولية ليرفع اسم مصر و فنها في المحافل الدولية

الابتكار في المجال الثقافي

يشهد التاريخ علي مساهمات “أحمد نوار”  في إنشاء متاحف فنية في مصر وبعض الدول العربية، مثل التصميم الداخلي لمتحف النوبة بأسوان لايمانه بان المتحف مؤسسة كبرى جامعة للثقافة والفنون. حيث يعتبر  أن المتحف مؤسسة حافظة للذاكرة والتاريخ وغنية بالمحتويات والوسائط و المؤثرات الضوئية والمساحات التي تضيف الي المقتنيات المعروضة بعدا جماليا ، كما ان وظيفته تستمر إلى أجيال كثيرة.  مما اكسبه خبرة واسعة في مجال الادارة الثقافية بينما جاء عمله مستشارا فنيا بمجلس النواب ليتوج درايته بكل ما يخص الثقافة وقضاياها علي ارض الواقع و خارج جدران المكاتب، فتلك الخبرات اثقلت فكر احمد نوار ليكون من اهم شيوخ الثقافة في مصر.

المسئولية المجتمعية و تشجيع الشباب.. و جائزة نوار

كان لتقلد ‘احمد نوار” العديد من المناصب المحلية والدولية و منها ما يعني بتقديم الخدمات المجتمعية مثل رئاسة جمعية محبي الفنون الجميلة وغيرها من المهام الوظيفية بصمة يشهد لها الجميع حتي الان فهو من يتبني الشباب و يلقنهم مهارات الادارة الثقافية و مسئولية المثقف تجاه مجتمعه،  و اهمية تبني الكوادر الشابه و تشجيعهم علي الابداع، فأنشأ جائزة “نوار” للرسم، و عدد من مسابقات النقد التشكيلي التي تهدف إلى تأهيل وإعداد جيل جديد مدرب ومتفهم لأهمية الفن والنقد الذي يعتبر أساس الفن والإبداع ومن دونه يفقد الفنان قدرته على مواصلة الإبداع والتطوير. حيث تعتبر هذه الجوائز جزءََ من عمل “نوار” المتواصل منذ سنوات طويلة لنشر الفنّ و تمكين الشباب ثقافيا و فكريا و مجتمعيا.

و سيظل “احمد نوار” شخصية ملهمة و نموذج مشرف للفنان المصري العصامي الذي خرج من القرية الصغيرة الي العالمية بجهد و دأب لم يفقد معه هويته او انتمائه.

 

 

 

 

 

 

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى