
في خضم الحملة الإعلامية التي تستهدف تشويه صورة القائد الليبي الشهيد معمر القذافي، ومحاولات بعض الأقلام والأصوات النيل من تاريخه ومواقفه، وإعادة تقديم تجربته السياسية والوطنية من خلال روايات انتقائية تتجاهل الوقائع والشهادات التاريخية، لا يمكن تجاوز ما ورد في حلقة برنامج «فصل المقال»، التي بثتها قناة «العربية» مساء الجمعة 30 أكتوبر الجاري، واستضاف خلالها مقدم البرنامج محمد الملا وزير الإعلام الكويتي الأسبق سامي النصف.
لقد جاءت الحلقة محمّلة بسيل من الادعاءات والاتهامات التي تستوجب التوقف والمراجعة، لا سيما أنها تناولت شخصية قيادية تركت بصماتها على تاريخ ليبيا والعالمين العربي والإفريقي، وامتد تأثيرها إلى ساحات النضال والتحرر في مختلف أنحاء العالم. وكان الأولى أن يخضع تناول هذه التجربة لمعايير التوثيق والإنصاف، وأن يكون هناك تمييز واضح بين النقد السياسي المشروع وبين إطلاق الأحكام والتعميمات والاتهامات التي لا تستند إلى أدلة كافية.
ولعل ما ينبغي أن يتذكره كل من يطلق الاتهامات جزافاً أن الكلمة مسؤولية، وأن ما ينطق به الإنسان ليس أمراً عابراً ولا قولاً بلا حساب، مصداقاً لقوله تعالى في سورة ق، الآية 18: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾.
وإذ أترفع عن الانجرار إلى سجال شخصي مع ما ورد على لسان سامي النصف ومحمد الملا، فإن الرد الأكثر أهمية لا يكون بتبادل الاتهامات أو الدخول في مهاترات إعلامية، وإنما بالعودة إلى التاريخ، واستحضار شهادات القادة الذين عاصروا معمر القذافي، والتوقف عند الوقائع والقرارات والمشروعات التي شكّلت ملامح تجربة سياسية امتدت لأكثر من أربعة عقود.
وفي مقدمة هذه الشهادات تبرز شهادة الزعيم الإفريقي والمناضل التاريخي نيلسون مانديلا، الذي لم يتردد في الدفاع عن علاقته بمعمر القذافي والرئيس الكوبي فيديل كاسترو والزعيم الفلسطيني ياسر عرفات، خلال زيارته للولايات المتحدة الأمريكية عام 1990، عقب خروجه من السجن.
فقد واجه مانديلا، خلال لقاءاته الإعلامية في الولايات المتحدة، انتقادات بسبب علاقاته بقيادات كانت واشنطن ودوائر سياسية وإعلامية غربية تصنفها ضمن خصومها. وعندما سُئل عن علاقته بهذه القيادات، جاء موقفه واضحاً وحاسماً، مؤكداً أن مواقف الدول والشعوب لا ينبغي أن تُبنى بالضرورة على خصومات الولايات المتحدة أو تحالفاتها، وأن أعداء الآخرين ليسوا بالضرورة أعداءنا.
وكان جوهر موقفه أن علاقات الشعوب والقوى المناضلة لا تُقاس بما تفرضه موازين القوى الدولية، وإنما بما قدمه الآخرون لها في أوقات الشدة. فقد أشاد مانديلا بالدعم الذي قدمه القذافي وكاسترو وعرفات لنضال شعب جنوب إفريقيا ضد نظام الفصل العنصري، وأكد أن هذا الدعم لم يكن مجرد شعارات أو خطابات سياسية، بل ارتبط بمساندة فعلية لقضية التحرر الوطني.
ولم يكن ذلك موقفاً عابراً أو مجاملة سياسية؛ فقد عاد مانديلا في مناسبات لاحقة ليؤكد رفضه التخلي عن أصدقاء مرحلة النضال تحت ضغط الدول الغربية، مشدداً على أن الوفاء لمن ساندوا شعبه في أحلك الظروف لا ينبغي أن يخضع لتقلبات السياسة الدولية أو حسابات المصالح والتحالفات.
وهنا يبرز السؤال الذي يستحق أن يُطرح على أصحاب حملات التشويه: إذا كان نيلسون مانديلا، بما يمثله من مكانة تاريخية ونضالية وأخلاقية، قد دافع عن علاقته بالقذافي، وشهد له بمساندة نضال شعبه، فهل يجوز تجاهل هذه الشهادة أو القفز عليها لمجرد أنها لا تتفق مع الرواية التي يريد البعض تسويقها اليوم؟ وهل تصبح شهادة التاريخ مقبولة حين تخدم رواية معينة، ومرفوضة حين تكشف جانباً آخر من الحقيقة؟
إن شهادة مانديلا ليست سوى مدخل إلى مساحة أوسع من التاريخ، تتمثل في تجربة ثورة الفاتح من سبتمبر 1969، التي لا يمكن اختزالها في صورة شخصية أو مجموعة من المواقف السياسية المثيرة للجدل، كما لا يمكن تقييمها بمعزل عن التحولات التي أحدثتها في ليبيا ومحيطها العربي والإفريقي والدولي.
فلم تكن ثورة الفاتح من سبتمبر 1969 مجرد تغيير في نظام الحكم أو انتقال للسلطة من قيادة إلى أخرى، بل دشّنت مرحلة مفصلية في تاريخ ليبيا الحديث، حملت مشروعاً سياسياً ووطنياً وتنموياً، تمحورت أبرز أهدافه المعلنة حول استكمال الاستقلال الفعلي، وإنهاء مظاهر النفوذ الأجنبي، واستعادة السيطرة الوطنية على الثروات، وتوظيف عائدات النفط في بناء الدولة والمجتمع.
ومن الإنصاف التاريخي أن نتذكر أن ليبيا، قبل الثورة، كانت قد نالت استقلالها في 24 ديسمبر 1951، لكنها ظلت تستضيف قواعد عسكرية أجنبية، في مقدمتها قاعدة ويلس الجوية الأمريكية والقواعد البريطانية. ولذلك وضعت قيادة الثورة إنهاء الوجود العسكري الأجنبي في مقدمة أولوياتها، وتُوّج ذلك بإجلاء القوات البريطانية عن قاعدة العدم في مارس 1970، والقوات الأمريكية عن قاعدة ويلس في يونيو من العام نفسه، واستكمال إجلاء بقايا الوجود الإيطالي في أكتوبر 1970.
كما اتجهت الدولة إلى تعزيز سيطرتها على قطاع النفط، وإعادة التفاوض مع الشركات الأجنبية، ورفع نصيب ليبيا من عائدات ثرواتها، وتأميم بعض المصالح النفطية والمصرفية الأجنبية. ولم تكن تلك الإجراءات مجرد شعارات سياسية، بل مثّلت تحولاً جوهرياً في طبيعة العلاقة بين الدولة الليبية والشركات الدولية، وأسهمت في تعزيز استقلال القرار الاقتصادي الوطني.
وهذه وقائع تاريخية لا ينبغي التعامل معها باعتبارها روايات صادرة عن أنصار النظام أو خصومه، بل هي أحداث يمكن الرجوع بشأنها إلى السجلات والوثائق الرسمية الليبية والأمريكية والبريطانية والإيطالية، والتحقق منها بعيداً عن المواقف السياسية المسبقة.
وبالتوازي مع استعادة السيادة الاقتصادية، شهدت ليبيا توسعاً في برامج التنمية والخدمات العامة، وجرى توجيه جانب كبير من عائدات النفط إلى قطاعات التعليم والصحة والإسكان والبنية التحتية. وانتشرت المدارس والجامعات والمستشفيات والمراكز الصحية في مناطق عديدة من البلاد، واتسعت فرص التعليم والعمل أمام شرائح واسعة من الليبيين، بعد أن كانت إمكانات الدولة محدودة خلال السنوات الأولى للاستقلال.
كما شهدت تلك المرحلة إقامة مشروعات صناعية واقتصادية مهمة، شملت مجمع الحديد والصلب في مصراتة، ومصانع الأسمنت والبتروكيماويات، ومصافي تكرير النفط، ومشروعات الزراعة واستصلاح الأراضي، إلى جانب تطوير الطرق والموانئ والمطارات وشبكات الخدمات الأساسية.
ويبقى مشروع النهر الصناعي العظيم واحداً من أبرز المشروعات الاستراتيجية التي شهدتها ليبيا، بما جسّده من طموح هندسي وتنموي لنقل المياه الجوفية من الأحواض الصحراوية إلى المدن الساحلية، وتوفير احتياجات السكان ودعم التنمية الزراعية والصناعية. وهو مشروع لا يمكن تجاهل حجمه وأهميته عند الحديث عن سجل المشروعات الكبرى في تاريخ ليبيا الحديث، بصرف النظر عن التحديات التي تواجه إدارته اليوم.
وليس المقصود من استعراض هذه المنجزات الادعاء بأن كل شيء كان مثالياً، أو أن مسيرة التنمية خلت من الاختلالات والقصور، وإنما التأكيد أن أي قراءة تاريخية منصفة لا يجوز أن تتجاهل التحولات التي شهدتها البنية التحتية والخدمات العامة والقدرات الاقتصادية، مثلما لا يجوز فصل تلك التحولات عن الظروف والإمكانات التي كانت متاحة للدولة الليبية في تلك المرحلة.
أما على الصعيد العربي، فقد تجاوز حضور ليبيا في عهد القذافي حدود الدور التقليدي للدولة، ليصبح أحد محاور النشاط السياسي الداعي إلى التضامن العربي وتجاوز حالة التجزئة والانقسام.
فقد تبنى القذافي مشروع الوحدة العربية، وطرح مبادرات ومشروعات وحدوية متعددة، انطلاقاً من قناعة بأن التجزئة تمثل أحد أبرز مصادر ضعف الأمة العربية، وأن ما تمتلكه من ثروات وإمكانات بشرية وجغرافية واقتصادية لن يتحول إلى قوة حقيقية ما لم تتوافر إرادة سياسية مشتركة ورؤية استراتيجية جامعة.
وقد تعثرت تلك المشروعات ولم تبلغ غايتها في تحقيق الوحدة العربية المنشودة، بل شهدت العلاقات العربية الليبية مراحل من التوتر والخلاف، غير أن ذلك لا يلغي أن الوحدة والتكامل العربيين ظلا من المحاور الأساسية في خطاب ثورة الفاتح وتحركاتها السياسية.
وفي مقدمة القضايا التي احتلت مكانة مركزية في المواقف العربية لليبيا جاءت القضية الفلسطينية. فقد ظل القذافي يعتبر فلسطين قضية تحرر وطني وحقوق تاريخية، وأعلن دعمه لحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره واستعادة حقوقه الوطنية، ووقف إلى جانب حركات المقاومة والتحرر الفلسطينية.
وقد اختلفت التقديرات بشأن بعض مواقفه وأساليب دعمه، لكن لا يمكن إنكار أن القضية الفلسطينية كانت حاضرة بقوة في توجهات ليبيا السياسية والإعلامية، وشكّلت أحد المحاور الرئيسية في علاقاتها العربية والدولية.
أما إفريقياً، فلم تنظر ثورة الفاتح إلى القارة باعتبارها مجرد مجال جغرافي مجاور، وإنما باعتبارها عمقاً استراتيجياً وحضارياً وسياسياً، وشريكاً أساسياً في معركة التحرر من الاستعمار والتبعية.
ومن هذا المنطلق، قدمت ليبيا أشكالاً متعددة من الدعم السياسي والمادي لحركات التحرر الوطني، وساندت قضايا الاستقلال ومقاومة التمييز العنصري، وأقامت علاقات وثيقة مع عدد من القادة الأفارقة الذين خاضوا معارك التحرر الوطني.
وكان من أبرز تلك المواقف دعم نضال شعب جنوب إفريقيا ضد نظام الفصل العنصري، وهو الدعم الذي شهد به مانديلا شخصياً، ودافع عن علاقته بالقذافي بسببه، رغم الضغوط والانتقادات التي تعرض لها خلال زيارته للولايات المتحدة الأمريكية.
كما اتجه القذافي لاحقاً إلى تعزيز الحضور الليبي داخل المؤسسات الإفريقية، وطرح مشروع الاتحاد الإفريقي، والدعوة إلى تعزيز التكامل السياسي والاقتصادي بين دول القارة، وصولاً إلى طرح مشروع الولايات المتحدة الإفريقية.
وقد أثارت بعض تلك المبادرات اختلافات في الرؤى بين القادة الأفارقة، ولم تتحقق جميع أهدافها، لكن تأثير ليبيا في مسار العمل الإفريقي خلال تلك المرحلة يظل جزءاً من سجل تاريخي لا يمكن تجاوزه عند تقييم الدور الذي أدته على المستوى القاري.
ومن هنا، فإن شهادة مانديلا لا ينبغي أن تُقرأ باعتبارها مجرد دفاع عن علاقة شخصية أو تحالف سياسي، بل باعتبارها شهادة صادرة عن قائد تحرري عايش مرحلة بالغة الصعوبة من تاريخ شعبه، وعرف عن قرب قيمة الدعم الذي تلقاه من الدول التي وقفت إلى جانبه عندما كانت قضيته تواجه العزلة والضغوط الدولية.
وعلى المستوى الدولي، سعى القذافي إلى تقديم ليبيا باعتبارها صوتاً للدول النامية، وأحد الأطراف الداعية إلى إقامة نظام دولي أكثر توازناً، يحد من احتكار القوى الكبرى للقرار العالمي، ويمنح الدول المستقلة حديثاً مساحة أوسع لممارسة سيادتها وتحديد خياراتها السياسية والاقتصادية.
وقد ارتبط خطابه السياسي بمناهضة الاستعمار والهيمنة الاقتصادية، والدعوة إلى احترام استقلال الدول وحق الشعوب في تقرير مصيرها.
ولم تكن هذه المواقف مجرد كلمات تُلقى في المحافل الدولية، بل ارتبطت بقرارات عملية تتعلق بإجلاء القواعد الأجنبية، وتعزيز السيطرة الوطنية على النفط، وإعادة صياغة العلاقات الاقتصادية مع الشركات الدولية، فضلاً عن مواقف ليبيا تجاه عدد من قضايا التحرر في العالم.
وفي المقابل، شهدت العلاقات الليبية مع بعض القوى الدولية أزمات وصدامات وعقوبات، كما برزت خلافات حادة بشأن سياسات النظام ومواقفه الإقليمية والدولية. ولذلك فإن تناول هذه المرحلة يتطلب قراءة شاملة لا تكتفي بترديد الروايات الرسمية لأي طرف، ولا تنحاز إلى موقف مسبق، بل تضع القرارات والمواقف في سياقها التاريخي والسياسي، وتخضعها لمعايير التوثيق والمقارنة والتحليل.
ولكي نكون منصفين، فإن الدفاع عن الوقائع التاريخية والمنجزات التي شهدتها ليبيا في عهد القذافي لا يعني تبرير جميع السياسات والقرارات التي اتُّخذت خلال تلك المرحلة، ولا إنكار ما تعرضت له الحياة السياسية من اختلالات، أو تجاهل الانتقادات المتعلقة بطبيعة نظام الحكم وممارساته. لكن الموضوعية تقتضي أيضاً ألا تتحول تلك الإخفاقات إلى ذريعة لمحو كل ما تحقق، أو إنكار المواقف التي شهد بها قادة وشعوب، أو تصوير أكثر من أربعة عقود من التاريخ الليبي وكأنها صفحة واحدة لا تحمل سوى الأخطاء والسلبيات.
فالتاريخ لا يُكتب بمنطق المحبة والعداء، ولا بالأحكام المسبقة، ولا وفقاً لما تفرضه الخصومات السياسية والإعلامية. وإنما يُكتب بالوقائع والوثائق والشهادات، وبالمقارنة بين ما كان وما أصبح، وبين ما تحقق وما تعثر، وبين القرارات التي خدمت المصالح الوطنية وتلك التي ألحقت الضرر بها.
ولعل ما شهدته ليبيا بعد عام 2011 من انقسام سياسي، وتفكك مؤسسي، وانتشار للسلاح، وتعدد لمراكز النفوذ، وتراجع لسيادة الدولة، أعاد إلى الواجهة أسئلة جوهرية حول طبيعة الدولة الليبية، وأسباب تعثر إعادة بنائها، وكيفية الحفاظ على وحدتها واستقلالها ومقدراتها. وهي أسئلة لا يمكن الإجابة عنها بإنكار الماضي أو اجتزائه، بل بفهمه بكل ما له وما عليه.
إن رحيل معمر القذافي لم ينهِ النقاش حول تجربته، كما أن سقوط نظامه في أعقاب التدخل العسكري لحلف شمال الأطلسي (الناتو) عام 2011 لم يمحُ القرارات والمشروعات والمواقف التي ارتبطت بتلك التجربة. فقد بقيت آثارها حاضرة في ذاكرة الليبيين، وفي علاقات ليبيا العربية والإفريقية، وفي سجلات التاريخ السياسي المعاصر.
وإننا إذ نستحضر هنا شهادة نيلسون مانديلا، فليس من باب الاستعانة بتاريخ الآخرين لتبرير موقفنا، وإنما لأن شهادته تمثل وثيقة سياسية وأخلاقية ذات دلالة، وتكشف جانباً من حقيقة الدعم الذي قدمته ليبيا لنضال شعب جنوب إفريقيا، وتؤكد أن تقييم مواقف القادة لا ينبغي أن يخضع حصراً لتصنيفات القوى الكبرى أو خصوماتها السياسية.
كما أن استعراض مسيرة ثورة الفاتح لا يعني إعفاءها من النقد والمساءلة، وإنما يعني رفض اختزال تاريخ ليبيا في رواية انتقائية، أو التعامل مع الوقائع التاريخية وكأنها قابلة للمحو بمجرد أن تتغير موازين القوى أو تتبدل التحالفات.
فمن حق أي إعلامي أو سياسي أن ينتقد معمر القذافي، ومن حق أي باحث أن يناقش تجربة ثورة الفاتح، وأن يكشف ما لها وما عليها، لكن ليس من حق أحد أن يستبدل البحث والتوثيق بالاتهامات، أو يتجاهل الشهادات والوقائع التاريخية، أو يقدم رأيه الشخصي باعتباره حقيقة نهائية لا تقبل النقاش.
ولذلك، فإن الرد على ما ورد في حلقة «فصل المقال» لا ينبغي أن يكون بالصراخ أو التجريح، وإنما بوضع الوقائع أمام الرأي العام، واستحضار الوثائق والشهادات، ومطالبة من يطلق الاتهامات بتقديم أدلته ومصادره، حتى يكون الحوار قائماً على الحجة والبرهان، لا على الانطباعات والأحكام المسبقة.
فالقائد الذي ارتبط اسمه بمرحلة من تاريخ ليبيا امتدت لأكثر من أربعة عقود، وبقرارات تتعلق باستقلال البلاد وثرواتها، ومشروعات تنموية كبرى، ومواقف عربية وإفريقية ودولية، لا يمكن اختزال تجربته في حلقة تلفزيونية، ولا اختصار تاريخه في تصريحات وزير سابق أو مقدم برنامج.
لقد رحل معمر القذافي، لكن الوقائع لم ترحل معه، والشهود الذين عاصروه لم يفقدوا حقهم في الشهادة، والتاريخ لم يغلق ملف تلك المرحلة بعد.
فردّوا عليهم بالتاريخ، وبالوثائق، وبشهادة مانديلا، وبالوقائع التي لا يجوز إنكارها أو انتقاؤها.
فليس كل من امتلك منبراً امتلك الحقيقة، وليس كل من رفع صوته استطاع أن يغيّر التاريخ.
أوكما جاء في البيت الشعري الشهير: «ما ضر شمس الضحى في الأفق ساطعةً ** أن لا يرى نورها من ليس ذا بصرِ».




