
بقلم بهجت العبيدي
يأتي طرح المفكر العربي الكبير الأستاذ علي محمد الشرفاء الحمادي في مقاله المعنون: “ألا بذكر الله تطمئن القلوب”، كمحاولة جادة لإعادة اكتشاف الإنسان من داخله، لا عبر التنظير المجرد، بل عبر إعادة ربطه بالمصدر الأول للمعنى: الله. فالآية الكريمة التي يتخذها مدخلا ليست مجرد عبارة وعظية تُتلى في لحظات الصفاء، بل إنها – في الحقيقة – مفتاح لفهم أزمة الإنسان المعاصر، الذي امتلك كل شيء تقريبا… إلا الطمأنينة.
إن مفكرنا العربي الأستاذ علي محمد الشرفاء الحمادي ينطلق من فكرة حاسمة وهي أن الاضطراب ليس عارضا نفسيا طارئا، بل هو نتيجة مباشرة لانفصال الإنسان عن الخطاب الإلهي. فالإنسان حين يبتعد عن ذكر الله، لا يفقد طقسا دينيا، كما يظن البعض، فقط، لا بل إنه في هذه الحالة يفقد نظامه الداخلي ذاته، إنه يفقد بوصلته التي توازن بين رغباته وحدوده، بين خوفه ورجائه، بين وجوده ومعناه. ولهذا فإن الأستاذ على الشرفاء – لا يقدّم “الذكر” كعبادة معزولة، بل كحالة وعي دائم، إنه حالة استحضار تجعل الإنسان يقظا أمام نفسه وأفعاله ومصيره.
في هذا السياق، يعيد أستاذنا على الشرفاء- كما يفعل مع الكثير من المصطلحات- تعريف الذكر بطريقة تخرجه من ضيق التكرار اللفظي إلى سعة الحضور الوجودي. فذكر الله عنده ليس مجرد ترديد الاسم، بل أكثر من ذلك بكثير، فذكر الله عنده أن تحيا في معناه، وأن يكون الله – سبحانه – حاضرا في قراراتك، وفي سلوكك، وفي علاقتك بالناس، وفي موقفك من الخير والشر. وهنا تتحول الطمأنينة من شعور مؤقت إلى حالة دائمة لحياة متسقة مع الفطرة التي خلقها الله سوية.
إن طرح الأستاذ علي الشرفاء الحمادي لا يقف عند البعد الفردي، بل يتجاوزه إلى رؤية أوسع ترى أن أزمة المجتمعات هي في جوهرها أزمة ابتعاد عن هذا الذكر الحي. فالإنسان حين يغيب عنه الله تتبخر الطمأنينة ويحل محلها الخوف أو الطمع أو الأنانية، فتتفكك العلاقات، وتتحول الحياة إلى صراع. أما حين يعود إلى الله، فإن منظومة القيم تعود تلقائيًا: العدل والرحمة والإحسان، وهي ليست شعارات بل انعكاسات مباشرة لحضور الله في الضمير.
وفي عمق هذا التحليل، يبرز جوهر منهج الاستاذ على الشرفاء : العودة إلى القرآن لا بوصفه نصا يُقرأ، بل بوصفه خطابا يُعاش. فهو يرى – وهو على حق تماما – أن القرآن لم يُنزل ليكون تراثا محفوظا، بل ليكون منهج حياة ودليلا عمليا يوجه الإنسان في تفاصيل حياته. ومن هنا تصبح آية “ألا بذكر الله تطمئن القلوب” ليست مجرد خبر، بل قانونا إنسانيا. إن الطمأنينة ليست خيارا نفسيا، بل نتيجة طبيعية للاتصال بالله، كما أن القلق نتيجة طبيعية للانفصال عنه.
ويُعمّق الاستاذ على الشرفاء هذا الفهم حين يربط بين الذكر والحماية، فذكر الله – كما يوضح – ليس فقط مصدر راحة، بل درع أخلاقي يحمي الإنسان من الانزلاق. إنه أشبه بجرس إنذار داخلي يوقظه قبل أن يخطئ، ويعيده قبل أن يضل، وهو ما يجعل الذكر عنصرا وقائيا في حياة الإنسان، لا مجرد ملاذ بعد السقوط، وهو ما أشار إليه في طرحه بأن الذكر “تحصين للإنسان من الوقوع في المعاصي” .
إن ما يلفت في هذا الطرح أنه لا يغرق في التجريد، بل يظل مرتبطا بواقع الإنسان. فالطمأنينة هنا ليست حالة صوفية معزولة، بل شرط للاستقرار النفسي والاجتماعي. إن الإنسان المطمئن أقل عنفا وأقل توترا وأكثر قدرة على العطاء وأكثر ميلا للعدل. وهكذا يتحول الذكر من شأن فردي إلى أساس لبناء مجتمع متوازن.
ويكشف المقال ، في عمقه، عن رؤية فكرية متماسكة ترى أن الإنسان مكوّن من جسد وعقل وروح، وأن اختلال التوازن بين هذه الأبعاد هو أصل المعاناة. فكما يحتاج الجسد إلى غذاء، والعقل إلى معرفة، فإن الروح لا تشبع إلا بالاتصال بخالقها، وإلا بقي الإنسان في حالة نقص دائم مهما امتلك من أسباب القوة .
من هنا تتضح قيمة هذا المقال ؛ فهو لا يكتفي بتفسير آية، بل يعيد بناء العلاقة بين الإنسان وربه على أساس واعٍ ومباشر، بعيدا عن التعقيد والتراكمات. إنه دعوة صريحة للعودة إلى الأصل، إلى الخطاب الإلهي في نقائه الأول، حيث الدين ليس عبئا بل هو طريقا للتحرر من القلق، وليس قيدا، بل مفتاحا للطمأنينة.
في النهاية، يضع الأستاذ على الشرفاء الحمادي القارئ أمام حقيقة لا تحتمل المواربة: الإنسان لن يجد سكينته خارج هذا الطريق. قد يؤجل المواجهة وقد يملأ وقته وقد يراكم إنجازاته، لكنه سيظل يفتقد ذلك السلام الداخلي ما لم يعد إلى الله. وهنا تكمن قوة هذا الطرح؛ أنه لا يجامل، بل يضع اليد مباشرة على جوهر الأزمة… ويقترح الحل من المصدر ذاته: من الله، حيث تبدأ الطمأنينة، وحيث تنتهي رحلة القلق.




