منوعات

ليبيا على مفترق طرق: مجلس الأمن و”الحوار المهيكل” والإقليم الرابع.. التسوية في مواجهة الفوضى

القاهرة- رضا عبد العزيز 

مركز العرب للأبحاث والدراسات – وحدة الدراسات السياسية

 

يوم الخميس المقبل في الثامن عشر من يونيو الجاري، يعقد مجلس الأمن الدولي جلسةً مخصصةً للملف الليبي، تُقدِّم خلالها هانا تيتيه، المبعوثة الأممية ورئيسة بعثة الدعم في ليبيا، إحاطتها الدورية حول مجريات الأزمة ومآلاتها. ولن تكون هذه الجلسة مجرد استعراض روتيني لمؤشرات الوضع، بل ستحمل في طياتها حصيلة “الحوار المهيكل الليبي” الذي اختُتمت جلساته رسميًا في طرابلس مؤخرًا بعد أشهر من النقاش، وضمَّ أكثر من مئة وعشرين شخصية ليبية من مختلف المناطق والتيارات.
وتأتي هذه الجلسة في لحظة بالغة الحساسية؛ إذ تُكثِّف الولايات المتحدة الأمريكية تحركاتها الدبلوماسية لبناء توافق على صيغة لتقاسم السلطة وتوحيد المؤسسات، في محاولة لإعادة تموضعها في ملف ظلَّ مفتوحًا لسنوات على تدخلات أوروبية وتركية متشعبة المصالح، فيما لم تغب المحاولات العربية لدعم مسارات التسوية السياسية وإن تفاوتت في أثرها.
وبينما يتصاعد هذا الحراك الدولي في أروقة نيويورك وعواصم القرار، تشهد الأرض الليبية تطوراتٍ لا تقل تعقيدًا: فقد أعلنت عدد من بلديات المنطقة الوسطى، وعلى رأسها مصراتة، تشكيلَ ما أسمته “إقليم المنطقة الوسطى”، في خطوة أثارت جدلًا واسعًا، وألقت بظلالها الثقيلة على مسارات التسوية. ثم جاءت التوترات المتصاعدة في طرابلس لتُضيف إلى المشهد مزيدًا من الارتباك؛ إذ أعادت التغييرات التي شهدها جهاز الاستخبارات تحريكَ المياه الراكدة بين الفصائل المسلحة المتربصة بعضها ببعض، في عاصمة لا تعرف الاطمئنان إلا قليلًا.
أمام هذا المشهد المتشابك، تتولَّد تساؤلات جوهرية لا يمكن تجاوزها: هل تمثِّل مخرجات الحوار المهيكل خارطةَ طريق حقيقية نحو التسوية، أم أنها إضافةٌ جديدة إلى أرشيف التوصيات التي لم تغادر أوراقها يومًا؟ وهل المبادرات الدولية المتعاقبة أدواتُ حلٍّ للأزمة الليبية، أم أنها باتت آليةً لإدارتها وإعادة تدويرها؟ وإلى أين تتجه ليبيا في ظل تقاطع المصالح الدولية مع تناقضات الداخل؟

ليبيا الحوار المهيكل

الحوار المهيكل: ماذا أنتج وماذا أهمل؟
منذ ديسمبر 2025، رعت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا مسارًا حواريًا موسَّعًا، حرصت فيه على استيعاب طيف واسع من الفاعلين الليبيين: سياسيون ومستقلون، رجال قبائل وممثلو مجتمع مدني، نساء وشباب وأشخاص ذوو إعاقة. وقد استُكملت الجلسات الرسمية بحزمة من التوصيات التي طالت المسارات السياسية والأمنية والاقتصادية والمجتمعية.
وتتصدَّر هذه التوصيات الدعوةُ إلى تشكيل حكومة انتقالية موحدة، تتولى الإشراف على الانتخابات الوطنية الشاملة خلال مدة لا تتجاوز عامين غير قابلَين للتمديد، مع حظر إبرام اتفاقيات سيادية طويلة الأمد خلال هذه المرحلة. وأبقت المخرجات على المجلس الرئاسي بصيغته الثلاثية الحالية، وأسندت إليه القيادة العامة للقوات المسلحة. كما اشتُرط في المترشحين للمناصب التنفيذية استيفاءُ شروط موضوعية: الجنسية الليبية الخالصة، والمؤهل الجامعي، وحدٌّ أدنى للعمر، مع إلزامهم بالتعهد بعدم الترشح في الانتخابات اللاحقة. وعلى صعيد المصالحة، أوصى الحوار بإطلاق مسار مستقل للعدالة الانتقالية وجبر الضرر، وإنشاء هيئة مستقلة للمصالحة الوطنية.
غير أن هذه المخرجات لم تسلم من انتقادات واسعة. فبينما يرى مؤيدو الحوار أنه أنجز المهام الموكلة إليه على أكمل وجه، وأن القيمة الحقيقية لما أنتجه تكمن في كونه مسارًا ليبيًا خالصًا بعيدًا عن الوصاية المباشرة، مما يمنح توصياته شرعيةً مجتمعية يفتقر إليها كثير من الطروحات الدولية — يرى منتقدوه أن ما صدر عنه لا يعدو توصياتٍ عامة سبق تداولها في مسارات سابقة، تفتقر إلى آليات تنفيذ وضمانات ملزمة، ولا تعالج بصورة كافية الإشكاليات الجوهرية للأزمة.
والأمر الجليّ أن التقرير الختامي للحوار تعامَل مع مسألة توحيد المؤسسات العسكرية والأمنية في إطار المبادئ العامة دون الخوض في آليات تنفيذية واضحة؛ وهي النقطة التي يعدُّها كثيرون لبَّ الأزمة ومحورها الحقيقي. كما أن التحدي الليبي لا يكمن في إجراء انتخابات فحسب، بل في امتلاك الليبيين الإرادةَ والقدرة على قبول نتائجها وتكريس مبدأ التداول السلمي للسلطة، وهو ما ظل الحوار صامتًا حياله.

ليبياتيتة الأطراف الليبية
الإقليم الرابع: رسالة سياسية في ثوب إداري
في الأيام التي أعقبت اختتام الحوار المهيكل، فاجأ قادة عدد من بلديات المنطقة الوسطى المشهدَ الليبي بإعلان تشكيل “إقليم المنطقة الوسطى”، ليُضيفوا بذلك كيانًا رابعًا إلى خارطة الأقاليم التاريخية الثلاثة: طرابلس وبرقة وفزان. ويضم الإقليم المُعلَن بلدياتٍ بارزة في جغرافيا المنطقة ونسيجها الاجتماعي، أبرزها مصراتة وبني وليد وترهونة وزليتن والخمس ومسلاتة.
يقول القائمون على هذه المبادرة إنها لا تعدو إطارًا تنسيقيًا وخدميًا، يهدف إلى تعزيز التعاون بين البلديات وتحسين مستوى الخدمات والتنمية. بيد أن المشهد برمَّته يشي بأن ثمة ما هو أعمق من ذلك: فالتوقيت — الذي جاء في خضم حراك سياسي متسارع وتحركات دولية محمومة — يحمل دلالاتٍ لا يصعب قراءتها.

إشكالية الغطاء القانوني
من الناحية القانونية، يقف هذا الإعلان على أرضٍ رخوة؛ إذ تستلزم إقامة أي إقليم جديد تعديلاتٍ دستورية وإجراءاتٍ تشريعية، لا تملك البلديات صلاحيةَ إطلاقها. وقانون الإدارة المحلية المعمول به لا يمنح عمداء البلديات الحقَّ في إنشاء كياناتٍ إدارية مستقلة خارج الهيكل الرسمي للدولة. والأكثر من ذلك أن الأقاليم التاريخية الثلاثة ذاتها — طرابلس وبرقة وفزان — أُلغيت بنصٍّ دستوري عام 1963 حين أُعلنت المملكة الليبية الموحَّدة. فكيف يصح إذن استحداث إقليم جديد بقرار بلدي في غياب أي سند دستوري؟

الرسالة السياسية خلف الواجهة الخدمية
يرى محللون أن الإعلان في جوهره ليس مشروعًا إداريًا بل رسالةٌ سياسية واضحة المقاصد: فرضُ المنطقة الوسطى بثقلها الديموغرافي والاقتصادي والعسكري كتلةً لا يمكن تجاهلها في أي ترتيبات سياسية مقبلة. ومصراتة، التي تمثِّل عصبَ هذا الإعلان، تمتلك من المقومات ما يُعزِّز هذا الطموح: تشكيلات مسلحة ذات خبرة، وعمق اقتصادي ملموس، ونفوذ ممتد في مدن مجاورة وداخل العاصمة طرابلس.
غير أن هذا الثقل بالذات هو مصدر الإشكالية؛ فقد أدى تصاعد نفوذ مصراتة إلى شعور أوساط ليبية بالقلق منها، مما أفضى إلى تقليص متعمَّد لحضورها داخل العاصمة والمدن المجاورة خلال المرحلة الأخيرة. وداخل مصراتة نفسها تتعدد التيارات وتتضارب التوجهات: فثمة تيار يقف مع حكومة طرابلس، وآخر يضع مصلحة المدينة فوق كل اعتبار، وثالث راديكالي يرفض أي تسوية مع الأجسام السياسية القائمة. هذا الانقسام الداخلي يُعقِّد قراءة الخطوة ويُصعِّب التنبؤ بتداعياتها.

ليبيا الصندوق الأسود الحداد

خطوة استباقية أم ورقة ضغط؟
ثمة قراءة أخرى ترى في الإعلان “خطوةً استباقية” مدروسة التوقيت: فبينما تتشكَّل ملامح التسوية وتُرسم خرائط النفوذ، أراد أصحابها ضمانَ حصتهم في الترتيبات المقبلة قبل أن تُغلق الأبواب. وفي هذا السياق، يخشى بعضهم أن تتحول هذه الخطوة إلى أداة تعطيلٍ في يد أطراف دولية لا تنسجم مع مبادرة السلام الأمريكية، وهي أطراف قد لا تتردد في دعم حركات تعرقل التوافق وتُفسد التقارب بين القوى الفاعلة.
والأشد خطورةً من الإعلان ذاته هو مرورُه دون محاسبة: فغياب الرد القانوني الحازم سيُشجِّع ربما مناطق أخرى على السير في الطريق ذاته، وقد يُحدث شرخًا عميقًا في وحدة الدولة التي يعتبرها معظم الليبيين خطًّا أحمر لا يُتجاوز.

طرابلس: عاصمة على صفيح ساخن
لا يمكن قراءة المشهد الليبي بمعزل عمَّا يجري في طرابلس، التي تبقى المرآة الأوضح لحال الدولة وهشاشتها. فالعاصمة التي ينبغي أن تكون مقرَّ السيادة ومنطلق التسوية، تُخفي تحت واجهتها السياسية احتقانًا أمنيًا مزمنًا، تتربص فيه الفصائل المسلحة بعضها ببعض في حسابات نفوذ لا تهدأ.
وقد ألقت التغييرات الأخيرة في منظومة الاستخبارات بتداعياتها المباشرة على موازين القوى بين هذه الفصائل؛ إذ أعادت رسم خارطة التحالفات والمصالح داخل المدينة، وأشعلت حالةً من التربص والقلق بين تشكيلات مسلحة درجت على اعتبار النفوذ الاستخباراتي ورقةَ قوة لا تُفرَّط فيها. وليست الاشتباكات المتقطعة وأعمال العنف التي تندلع بين الحين والآخر في شوارع العاصمة وأحيائها إلا مؤشرًا على هذا الاحتقان المتراكم، الذي لا يحتاج إلى أكثر من شرارة لينفجر على نطاق واسع.
والمفارقة المؤلمة أن طرابلس — بحكم موقعها عاصمةً للبلاد — يُفترض أن تكون أكثر المدن أمانًا واستقرارًا، لا ساحةَ تجاذب بين فصائل تحكم بقوة السلاح لا بقوة القانون. وما يجري فيها من توترات يُسقط الادعاء بأن التسوية السياسية وحدها كفيلة بإرساء الاستقرار، دون معالجة جذرية لظاهرة انفلات السلاح وتغوُّل الميليشيات.

ليبيا مؤتمر برلين الأزمة

المبادرات الدولية: حل أم إدارة للأزمة؟
ليست ليبيا غريبةً عن المبادرات الدولية؛ فمنذ سقوط القذافي عام 2011، توالت عليها مسارات الحل واتفاقيات التسوية، من الصخيرات إلى برلين، ومن مسار جنيف إلى لجان الحوار المتعددة. ومع ذلك، يجد الليبيون أنفسهم في 2026 أمام مشهد لم يختلف جوهرًا عما كان عليه قبل عقد: انقسام مؤسسي وغياب شرعية جامعة.
يعكس هذا الواقع إشكاليةً بنيوية في طريقة تعامل المجتمع الدولي مع الملف الليبي؛ فالدول الكبرى لا تتحرك بمنطق المصلحة الليبية، بل بمنطق التوازنات الإقليمية ومصالحها الاستراتيجية في الطاقة والهجرة والأمن. وليبيا بموقعها الجغرافي وثروتها النفطية، ساحةٌ للتجاذب بين أطراف متعددة، لكل منها أجندتها وتحالفاتها وأوراق ضغطها.

التنافس الأمريكي-الأوروبي على قيادة الملف
تتجلى هذه الفجوة في مقاربتَين متباينتَين تتسابقان الآن على تشكيل مخرجات الأزمة: الأولى أوروبية-أممية، تعتبر الانتخابات المدخلَ الوحيد الشرعي لإنهاء الانقسام، وترى في إرساء المؤسسات الدستورية الأساسَ الذي لا غنى عنه. والثانية أمريكية، تميل إلى منهجية مغايرة: تثبيت تفاهمات عملية بين القوى الفاعلة على الأرض، والبناء السياسي على هذه التفاهمات لاحقًا.
وبين المقاربتين تتَّسع الهوة وتتعمَّق، مما يُضعف أثر الضغط الدولي الموحَّد ويُتيح للفاعلين المحليين المناورة واستثمار هذا الخلاف، لاستمرار المصالح والنفوذ والسيطرة.
ويذهب فريق من المحللين إلى أن المجتمع الدولي بات يُفضِّل “إدارة الأزمة” على “حلها”؛ إذ إن استمرار الوضع الراهن يخدم مصالح بعض الأطراف. وقد أدرك ذلك كثير من الليبيين الذين باتوا ينظرون إلى المبادرات الدولية بعينٍ الشك، لا باعتبارها طوق نجاة بل باعتبارها أداةَ تدوير للأزمة تبقيها في نطاق يمكن التحكم فيه.

ليبيا حفتر صالح درنة
الإرادة الدولية: الحلقة المفقودة
لا تكمن المشكلة في نقص المقترحات أو شُحِّ الأفكار؛ فليبيا أصبحت من أكثر الأزمات توثيقًا وتحليلًا وتوصيةً. المشكلة في غياب إرادة دولية حقيقية تدفع نحو توحيد المؤسسات وإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية متزامنة، وتلتزم بتوفير الضمانات اللازمة لتنفيذها وحماية نتائجها. وما لم تتوفر هذه الإرادة، ستظل التوصيات توصياتٍ، والحوارات حواراتٍ، والأزمة أزمةً.
بنية الأزمة الليبية: ما لم تعالجه المبادرات
لفهم عمق الأزمة الليبية، لا يكفي رصد المشهد السياسي وحده؛ بل لا بد من التوقف عند بنيتها الاجتماعية والاقتصادية التي تُغذِّيها وتُديمها. فليبيا لا تواجه انقسامًا سياسيًا فحسب، بل أزمةَ دولةٍ بالمعنى العميق: ضعفٌ مؤسسي موروث تراكم عبر عقود، وتشوهاتٌ اقتصادية هيكلية ولَّدها الاعتماد المفرط على النفط في غياب اقتصاد منتج؛ مما جعل الثروة ريعًا تتصارع عليه الميليشيات والقوى النافذة بدلًا من أن تكون أساسًا للتنمية، يضاف إلى ذلك غياب شبه تام لعقد اجتماعي ناظم يحدد حقوق المواطنين وواجباتهم، ويرسم شكل العلاقة بين الدولة والمجتمع، وبين السلطات بعضها ببعض؛ ما سمح للولاءات الأيدلوجية والمناطقية الضيقة بالصعود على حساب الهوية الوطنية الجامعة، لتتحول الدولة إلى مجرد غنيمة تتقاسمها مراكز القوى.
ولعل أبرز ما أغفلته المبادرات المتعاقبة أن التسوية السياسية المستدامة لا تُبنى في الهواء؛ بل تحتاج في مرحلة سابقة لها إلى مصالحة وطنية حقيقية تُعالج الجراح المتراكمة وتُرسي ثقافة التعايش، قبل أن تنتقل ليبيا إلى المراحل الدستورية والانتخابية. وطالما انصرفت المبادرات إلى الترتيبات السياسية فوق البنية الاجتماعية المتصدعة، فإنها لن تبني إلا على رمال متحركة.
أما قضية توحيد المؤسسات العسكرية والأمنية، فتبقى العقدة الأصعب في هذا الملف. وفيما تتحدث المبادرات عن الدمج والتوحيد في إطار مبادئ عامة منزوعة الآليات، تبرز في هذا السياق حقيقة لا يمكن تجاهلها: أن القوات المسلحة العربية الليبية بقيادة المشير خليفة حفتر أثبتت على أرض الواقع قدرتها على التصدي للميليشيات والتطرف والإرهاب، وتطهير مناطق واسعة من ليبيا مما كان يعصف بها من فوضى مسلحة. وفي ضوء هذا الإثبات الميداني، يرى كثيرٌ من الليبيين أن هذه القوات المسلحة هي النواة الصلبة الأجدر باستيعاب كل العناصر المؤهلة في مؤسسة عسكرية وطنية موحدة، تنهي عهد التشرذم وتُعيد للدولة احتكار القوة المشروعة.

 

الدبيبة الاستفاء على الدستور
استشراف المستقبل: ثلاثة سيناريوهات
في ضوء مجمل هذه المعطيات، يمكن استشراف ثلاثة سيناريوهات محتملة لمآلات الملف الليبي في المرحلة المقبلة:

السيناريو الأول: التسوية التدريجية
يقوم هذا السيناريو على نجاح المجتمع الدولي — وتحديدًا الولايات المتحدة والأمم المتحدة — في بناء توافق بين القوى الفاعلة الرئيسية على صيغة لتقاسم السلطة خلال مرحلة انتقالية محدودة، تُفضي في نهاية المطاف إلى انتخابات وطنية. وتشترط نجاح هذا السيناريو أن تتقلَّص التدخلات الخارجية المعرقِلة، وأن تُبدي الأطراف الليبية الكبرى قدرًا من المرونة. وهو أكثر السيناريوهات تفاؤلًا، لكنه مشروطٌ بتوافر إرادة دولية حقيقية لم تظهر بعدُ بصورة كافية.

السيناريو الثاني: الجمود المُدار
يستمر فيه الوضع الراهن بأجسامه المتعددة وانقساماته القائمة، مع تعديلات تجميلية دورية، في غياب حل شامل. وهو سيناريو يُريح بعض الأطراف الدولية والمحلية على حد سواء، لكنه يُعمِّق الانهيار المؤسسي والاقتصادي، ويُراكم الاحتقان الشعبي.

السيناريو الثالث: التصعيد والعودة إلى المربع الأول
يتحقق هذا السيناريو إذا تفاقمت التوترات الداخلية — كأحداث طرابلس والإقليم الرابع — وتقاطعت مع تنافس دولي حادٍّ، وفتحت الطريق أمام مواجهة جديدة. وهو السيناريو الأكثر كُلفةً على الشعب الليبي، والأشد تهديدًا لوحدة البلاد ومستقبل أجياله.

خاتمة: الكرة في ملعب التنفيذ
ما أنتجه “الحوار المهيكل” من توصيات لا يُقدَّر بما احتوى من صياغات، بل بما سيترتب عليه من خطوات. وقد أتمَّ المشاركون مهمتهم ورفعوا ما طُلب منهم؛ فالكرة باتت في ملعب بعثة الأمم المتحدة والمجتمع الدولي لتحويل هذه التوصيات إلى خطة تنفيذية متكاملة تُعرض على مجلس الأمن وتحظى بدعم حقيقي.
ومع انعقاد جلسة مجلس الأمن بعد أيام في الثامن عشر من يونيو الجاري، تبقى الأسئلة الكبرى مطروحةً بقوة: هل ستتجاوز مخرجات الحوار مرحلة الورق؟ هل ستتمكن الولايات المتحدة من بناء التوافق الذي تسعى إليه؟ وهل ستتصدى الأطراف الليبية المسؤولة لمحاولات التفتيت بالحزم اللازم الذي يحمي وحدة الدولة ويصون سيادتها؟
إن ليبيا اليوم ليست أمام أزمة سياسية تحتاج توصيةً، بل أمام اختبارٍ حقيقي يحتاج إرادةً. وكما أن التاريخ لا يرحم الأمم التي تهدر فرصها، فإن فرصةً كهذه — وإن بدت ضيقةً — تستحق المجازفة بالتمسك بها.

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى