
ليس المقصود من مقال المفكر العربي علي محمد الشرفاء الحمادي أن يدعو الإنسان إلى قراءة القرآن بوصفها عبادة فردية فحسب وإنما يضع أمام القارئ سؤالا أعمق يتعلق بمصير الوطن ذاته كيف يمكن لوطن أن يبقى آمنا إذا فقد أبناؤه القيم التي تجعلهم قادرين على العيش معا؟ ومن هنا يبدو عنوان المقال «العودة للقرآن تحفظ الأوطان» أقرب إلى أطروحة فكرية منه إلى مجرد دعوة دينية فالكاتب يريد أن ينقل القرآن من دائرة التلاوة المجردة إلى دائرة الفعل الإنساني والاجتماعي حيث يصبح ما يهدي إليه من عدل ورحمة وتعاون ووحدة وسلام أساسا لحماية المجتمع وصيانة الوطن وعندما يقول الكاتب العودة إلى القرآن فهو لا يتحدث عن عودة زمنية إلى الماضي ولا عن الانغلاق عن العصر وإنما عن العودة إلى المرجعية التي تضبط علاقة الإنسان بالإنسان وتعيد ترتيب الأولويات على أساس الحق والعدل والمصلحة العامة فالقرآن في رؤية الشرفاء ليس كتابا يوضع على الرفوف ثم يستدعى في المناسبات وإنما منهج يهدي السلوك ويمنح الإنسان ميزانا يفرق به بين ما يبني وما يهدم وبين ما يجمع الناس وما يدفعهم إلى التنازع ولهذا يستحضر الكاتب قوله تعالى ﴿ إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ﴾ فالهداية هنا ليست منفصلة عن حركة الحياة وإنما هي هداية إلى الطريق الأقرب إلى الاستقامة في التفكير والسلوك والعلاقات ومن ثم فإن المجتمع الذي يستعيد هذا الميزان لا يستعيد نصا فقط وإنما يستعيد قدرته على تصحيح مساره واللافت في مقال علي محمد الشرفاء الحمادي أنه يجعل قضية الوطن نتيجة طبيعية لحالة الإنسان الداخلية فالوطن لا يبدأ من الحدود الجغرافية ولا ينتهي عند مؤسسات الدولة وإنما يبدأ من الضمير الإنساني فإذا صلح الضمير أصبح الإنسان عنصرا في بناء الأمن وإذا فسد تحول إلى مصدر للخصومة والفتنة والهدم ولذلك فإن حماية الوطن في فلسفة المقال لا يمكن أن تكون مسؤولية الأجهزة وحدها مهما بلغت قوتها لأن الدولة تستطيع حماية الحدود ومواجهة الخطر المباشر لكنها لا تستطيع وحدها أن تمنع الكراهية من التسلل إلى النفوس ولا أن تمنع الشائعة من تمزيق الثقة ولا أن تمنع التحريض من تحويل الاختلاف إلى عداوة ومن هنا تأتي أهمية قوله تعالى ﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا ﴾ فالمسألة عند الكاتب ليست مجرد وحدة شكلية وإنما وحدة تقوم على تجاوز أسباب العداوة وتحويل المجتمع من تجمع أفراد متجاورين إلى جماعة تشترك في المصير ويبدو أن الشرفاء يريد أن يقول إن أخطر ما يهدد الأوطان ليس دائما العدو القادم من الخارج وإنما الإنسان الذي يفقد إحساسه بأن الوطن ملك مشترك وأن هدم استقرار الآخرين هو في النهاية هدم لاستقراره هو أيضا فعندما يتحول الاختلاف السياسي أو الفكري أو الاجتماعي إلى كراهية يصبح المجتمع مستعدا لتمزيق نفسه بيديه وهنا يميز المقال بصورة عميقة بين الاختلاف والتنازع فالاختلاف طبيعة بشرية ويمكن أن يكون مصدر إثراء أما التنازع فهو انتقال من تعدد الرؤى إلى صراع الإرادات ولذلك يأتي التحذير القرآني ﴿ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾ وكأن الكاتب يضع أمام المجتمع قانونا تاريخيا واضحا حين يتحول الاختلاف إلى تنازع تبدأ قوة المجتمع في التآكل من داخله والأعمق من ذلك أن المقال لا ينظر إلى التعاون باعتباره قيمة أخلاقية فردية فقط وإنما باعتباره ضرورة وطنية فالقرآن يقول ﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾ وهنا يصبح التعاون بين أبناء الوطن جزءا من منظومة الحماية الاجتماعية لأن المجتمع المتعاون يستطيع أن يواجه أزماته أما المجتمع الذي يأكل بعضه بعضا فإنه يمنح أعداءه أقوى فرصة للنيل منه دون أن يطلقوا رصاصة واحدة ولذلك فإن الكاتب يتجاوز المفهوم التقليدي للأمن ليضع أمام القارئ مفهوما أكثر عمقا للأمن الوطني فالأمن ليس شرطة وجيشا وقانونا فقط وإنما هو أيضا ثقة بين المواطن ومجتمعه وعدالة يشعر بها الإنسان ووعي يمنع الشائعة من التحول إلى حقيقة وضمير يرفض الظلم ولسان يدرك أن الكلمة قد تبني وطنا وقد تشعل فتنة ومن أخطر الإشارات التي يمكن قراءتها في المقال أن الوطن لا يجوز أن يتحول إلى غنيمة تتصارع عليها الجماعات والأحزاب والتيارات فالوطن ليس ملكا لفئة وليس ساحة لتصفية الحسابات وليس وسيلة لتحقيق مصالح خاصة وإنما هو البيت الذي يتسع للجميع وإذا سقط البيت فلن ينجو أحد من أنقاضه ولهذا فإن العودة إلى القرآن في تصور الكاتب تعني استعادة البوصلة الأخلاقية التي تجعل الإنسان يرى مصلحة وطنه قبل مصلحته الضيقة وتجعله يدرك أن الحرية لا تعني الفوضى وأن الاختلاف لا يعني الكراهية وأن المعارضة لا تعني التخريب وأن الانتماء لا يعني إلغاء العقل إن الرسالة الأعمق التي يحملها المقال هي أن إنقاذ الوطن يبدأ قبل لحظة الخطر يبدأ في الطريقة التي نفكر بها وفي الطريقة التي نتعامل بها مع بعضنا وفي قدرتنا على ضبط غرائز الانتقام والكراهية والاستعلاء فالقرآن حين يصبح منهجا للسلوك لا يعود مجرد كتاب يقرأه الإنسان وإنما يتحول إلى قوة أخلاقية تحكم اختياراته ومن هنا يمكن فهم البناء الفكري الذي يتحرك تحته المقال كله القرآن يبني الإنسان والإنسان يبني المجتمع والمجتمع يحفظ الوطن فإذا انهار الإنسان من الداخل انعكس انهياره على المجتمع وإذا تفكك المجتمع أصبح الوطن مكشوفا مهما امتلك من القوة وهكذا فإن «العودة للقرآن تحفظ الأوطان» ليست دعوة إلى الهروب من الواقع وإنما دعوة إلى إصلاح الإنسان الذي يصنع الواقع وهي في جوهرها محاولة لإعادة تعريف القوة فالقوة الحقيقية ليست فقط في السلاح ولا في السلطة ولا في كثرة الموارد وإنما في مجتمع يمتلك من الوعي والقيم ما يجعله قادرا على الاختلاف دون أن يتحول إلى عدو لنفسه ولعل أجمل ما يمكن أن تنتهي إليه قراءة مقال الشرفاء أن الوطن لا تحميه الأسوار وحدها ولا تحميه القوة وحدها وإنما يحميه الإنسان الذي يعرف أن اختلافه مع أخيه لا يمنحه الحق في هدم البيت الذي يجمعهما معا وأن القرآن حين يتحول من نص يتلى إلى قيم تعاش يمكن أن يصبح بالفعل أحد أهم حصون الوطن وأقوى أسباب بقائه واستقراره.




