أخبار مصر

هشام النجار : ” ادخلوا في السلم كافة ” .. مشروع حضارة ومنهج حياة من القرآن | صور

- ندوة رسالة السلام تحذر من الخداع والظلم باسم الدين .. وتقدم رؤية حضارية قرآنية لإنقاذ البشرية

القي الكاتب الصحفي والأديب هشام النجار رئيس مجلس تحرير مجلتي “أطفالنا” و”كل حد” كلمة فكرية خلال الندوة التي نظمتها مؤسسة رسالة السلام العالمية تحت رعاية مؤسسها ومفكرها الأستاذ علي الشرفاء الحمادي، والتي انعقدت تحت عنوان: «دعوة الله الناس إلى السلام.. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾» والتي ترأسها الكاتب الصحفي مجدي طنطاوي، المدير العام للمؤسسة، وأدارها الكاتب الصحفي الدكتور معتز صلاح الدين، رئيس مجلس أمناء المؤسسة بالقاهرة .

وأوضح النجار خلال الكلمة أن رؤيته للموضوع تشكّلت عبر قراءة متعمقة لمؤلفات ومقالات المفكر علي الشرفاء الحمادي، سعيًا لاستخلاص جوهرها وصياغته في تصور مركز ومتكامل، يعبر عن قناعة راسخة يراها أقرب إلى روح القرآن ومقصد الله في الحرية والعدل والسلام، بعيدًا عن منطق الاحتكار والإقصاء الذي تسلل إلى الفهم الديني بعد وفاة الرسول، وأصبح واقعًا مدونًا ومرجعية موروثة منذ العصرين الأموي والعباسي.
‎وبيّن أن هذه الرؤية تكشف ما وصفه بعملية “خداع وتزوير كبرى” ارتكبتها جماعات التكفير والإرهاب حينما انتزعت مفاهيم من سياقها القرآني وألصقتها بخصومها، بينما تنطبق – في نظره – أوصاف الكفر بمعناه العملي والسلوكي على من ألبسوا الإرهاب والعدوان والغدر والعنف رداء الإسلام، وجعلوا من الاعتداء وسفك الدماء عقيدة.
‎وأشار إلى أن قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة) يمثل أمرًا إلهيًا جامعًا وقاعدة وجود ومنهج حياة ومشروع حضارة، يمكن فهمه عبر عدة مستويات مترابطة.
‎فعلى المستوى الأول، أكد أن السِّلم هو أصل الرسالة، موضحًا أن القرآن الكريم يؤسس – عبر مئات الآيات- لمجتمع قائم على السلم والعدل والبر والقسط والتعارف بين البشر، مستشهدًا بقوله تعالى: (لا إكراه في الدين)، و(فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر)، و(لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم)، معتبرًا أن هذه الآيات تمثل أعمدة البناء في التصور القرآني للدولة والمجتمع، حيث الدولة مسالمة، والمجتمع مفتوح، والاختيار في العقيدة حق مطلق للإنسان، لأن الإيمان فعل قلبي لا يُنتج بالإجبار.
وعلى المستوى الثاني، أوضح أن الحرية فطرة إلهية، وأن الإسلام في معناه القلبي هو الاستسلام لله وحده والعودة إلى فطرة الله التي فطر الناس عليها، مؤكدًا أن الفطرة لا تُفرض، والقناعة لا تُزرع بالسيف، والإيمان لا يُصنع بالقهر، وأن القرآن يؤجل الحكم على اختلاف العقائد إلى يوم القيامة، بينما يُكلف البشر في الدنيا بالتعامل العادل الرحيم.
‎ولفت إلى أن الهجرة شُرعت لحماية حرية الضمير، فإذا أُكره الإنسان على إنكار عقيدته كان له أن يهاجر فرارًا بدينه، كما ورد في سورة النساء، مشددًا على أن الضمير لا يُباع، والدين لا يُكره.
وفي المستوى الثالث، تناول معنى الإسلام والإيمان في القرآن، مبينًا أن للإسلام معنيين: أولهما إسلام قلبي مع الله، وهو الاستسلام والإذعان له وحده بلا شريك أو وسيط أو تقديس لبشر، وثانيهما سلام وأمان في التعامل مع الناس، بحيث يكون كل من يأمنه الناس في دائرة الإسلام العملي، أي دائرة السلم.
‎كما أشار إلى أن للإيمان مستويين: إيمان عقدي مرجعه إلى الله يوم القيامة، وإيمان عملي يعني الأمان والثقة في التعامل بين الناس، واستشهد بقوله تعالى في وصف الرسول ﷺ: (يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين)، موضحًا أن الميزان في الدنيا هو السلوك والتعامل؛ فالمعتدي ظالم مهما كانت لافتته، والمُسالم موضع برٍّ وقسطٍ مهما كانت عقيدته.
أما في المستوى الرابع، فتحدث عن مفهوم الكفر والشرك في الميزان القرآني، موضحًا أن الكفر في أصله اللغوي هو التغطية، أي تغطية الفطرة بتقديس البشر وجعل الألوهية شركة بين الله وغيره في البعد العقدي، أما في البعد العملي السلوكي فهو الاعتداء والظلم والقهر واستباحة الدماء.
واعتبر أن هذا الوصف ينطبق على كل معتدٍ، مستشهدًا بقوله تعالى: (وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين)، مبينًا أن المعتدين هم الكافرون بسلوكهم العدواني، وأن الدعاء: (فانصرنا على القوم الكافرين) يُفهم في سياق مقاومة العدوان.
‎وأضاف أن من يغتال ويفجر المدنيين ويخرب ويدمر يرتكب كفرًا عمليًا وعدوانًا مرفوضًا بنص القرآن، بينما تبقى عقيدته إلى الله للفصل يوم القيامة.
وفي المستوى الخامس، تناول مفهوم الطاغوت، موضحًا أن ثمة فارقًا بين مجرم يقتل دون تبرير ديني، وآخر يُلبس جريمته رداء الدين؛ فعندما يُجعل القتل جهادًا، واغتيال المخالف حدًا شرعيًا، واغتصاب النساء سبيًا مشروعًا، يتحول الظلم والعدوان المحرمان إلى تشريع، وهو ما يسميه القرآن طاغوتًا، أي توظيف اسم الله لتبرير العدوان وتحويل الجرائم إلى شعائر.
‎وأكد أن البشرية عانت من الطغيان في عصور مختلفة شرقًا وغربًا باسم الإسلام وباسم المسيحية، وكلاهما بريء من تلك الممارسات، مشيرًا إلى أن الطغيان يُمارس في الواقع المعاصر من قبل كيانات وتنظيمات وجماعات متطرفة، وأن تحرر المجتمعات يبدأ بالتحرر من الفهم الذي يحتكر الحديث باسم الله.
‎وأوضح أن جوهر الرسالات واحد، وإن اختلفت اللغات، فنوح وإبراهيم وموسى ومحمد عليهم السلام دعوا جميعًا إلى الإسلام بلغاتهم، والحساب يوم القيامة، والمعيار هو التقوى المتمثلة في خشية الله وحده، والعدل مع الناس، والسعي في الخير.
‎واختتم الكاتب والأديب هشام النجار كلمته بالتأكيد على أن السلم في القرآن تعريف للإسلام ذاته وليس خيارًا سياسيًا، وأن الإيمان أمان وسلام يُشيعه الإنسان في المجتمع لا مجرد شعار عقدي، مستشهدًا بقوله تعالى: (ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنًا)، موضحًا أن من ألقى السلام دخل في دائرة السلم والإسلام العملي، حتى في حال الحرب، فكيف بالأوضاع العادية، وأن من اعتدى خرج من دائرة الإيمان العملي السلوكي.
‎وشدد النجار في ختام كلمته على أن الأمر الإلهي (ادخلوا في السلم كافة) يشمل العقيدة والسلوك والتعامل والخطاب والدولة والمشروع الحضاري، معتبرًا أن هذا هو طريق النجاة، وجوهر دعوة الله للناس إلى السلام.

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى