
اختتم الأستاذ الدكتور أسامة الأزهري، وزير الأوقاف، أعمال المؤتمر الدولي السادس والثلاثين للمجلس الأعلى للشئون الإسلامية، بإعلان «وثيقة القاهرة في الإسلام وفلسفة العمران»، مؤكدًا أنها تمثل نقلة فكرية ومنهجية مهمة في مسار تجديد الخطاب الديني، وتطرح رؤية حضارية متكاملة تربط بين الإيمان والعمل، وتؤسس لقيم الإتقان والإحسان ونفع الإنسان بوصفها ركائز أساسية لبناء المجتمعات في عصر التحولات المتسارعة.
وأوضح وزير الأوقاف، في كلمته الختامية، أن المؤتمر لم يكن هدفه الخروج بتوصيات إجرائية فقط، بل سعى بالأساس إلى بلورة رؤية فكرية جامعة تنطلق من مقاصد الإسلام الكبرى، وتعيد وصل الدين بالحياة، والعبادة بالعمران، والعمل الصالح بمتطلبات العصر، مشددًا على أن تجديد الخطاب الديني واجب تفرضه التحديات الراهنة وليس شعارًا أو موقعًا إداريًا.
وأشار الوزير إلى أن «وثيقة القاهرة» جاءت حصيلة جلسات علمية معمقة، وأبحاث رصينة، وحوار فكري موسع شارك فيه علماء ومفكرون من مختلف دول العالم، وانطلقت من منطلق محوري يعتبر أن العمران يمثل أحد أركان الدين إلى جانب العبادة وتزكية النفس، مستندة إلى القرآن الكريم والسنة النبوية وتراث الأزهر الشريف وتجربة الحضارة الإسلامية عبر تاريخها.
وبيّن أن الوثيقة ترسم مسارًا متكاملًا يقوم على اعتبار المهن سبيلًا لتحقيق العمران، وأن هذا العمران لا يتحقق إلا من خلال مؤسسات منظمة تُدار بإدارة واعية، تضبطها قيم الإتقان والجودة، مؤكدًا أن النجاح في المنظور الإسلامي ليس غاية في ذاته، بل وسيلة لتحقيق نفع الناس، وهو جوهر الرسالة الاجتماعية للدين وقيمه الإنسانية المشتركة.
وأكد وزير الأوقاف أن الإحسان، بوصفه ذروة القيم في العمل، لا يقتصر على المفهوم الفردي أو الخيري، بل يعني بلوغ أعلى درجات الإتقان والجودة والتفوق الحضاري، مستشهدًا بقول الإمام العز بن عبد السلام إن مقاصد الشريعة يمكن اختزالها في كلمة واحدة هي «الإحسان»، باعتباره الطريق إلى مرضاة الله وعمارة الأرض.
وأضاف أن الوثيقة تسعى إلى إعادة تشكيل الوعي الديني تجاه العمل، بحيث يؤدي العامل والمهني والحرفي مهامه بذات الصدق والأمانة التي يؤدي بها عبادته، معتبرًا أن هذا الفهم كفيل بإحداث تحول حقيقي في واقع المجتمعات، وإطلاق طاقات الإبداع والابتكار، وتحويل القيم الأخلاقية إلى سلوك يومي ملموس.
وكشف الوزير عن اعتزام المجلس الأعلى للشئون الإسلامية طرح الوثيقة للتوافق والتوقيع من العلماء المشاركين، ثم تعميمها على علماء العالم الإسلامي، ورفعها لاحقًا إلى المنظمات الدولية، وفي مقدمتها الأمم المتحدة واليونسكو، باعتبارها رسالة حضارية تؤكد قدرة الإسلام على الإسهام في بناء الحضارة الإنسانية وتقديم رؤية أخلاقية عالمية في عصر التقنية والذكاء الاصطناعي.
وأكد أن المؤتمر يمثل خطوة جادة نحو إبراز ما في الشريعة الإسلامية من نور وقدرة على الإسهام الحضاري، مشددًا على أن نجاح الأمة في تقديم هذه الرؤية يعيد لها دورها كمصدر إلهام إنساني فاعل، لا مجرد متلقٍ للتحولات العالمية.
وشهدت الجلسة الختامية حضور عدد من الوزراء وكبار المسؤولين والعلماء من مصر ودول عدة، إلى جانب نخبة من المفكرين والباحثين والسفراء وممثلي الدول المشاركة، في تأكيد على الزخم الدولي الذي حظي به المؤتمر وأهمية مخرجاته الفكرية.
واختتم وزير الأوقاف بدعوة إلى تحويل مضامين «وثيقة القاهرة» إلى وعي مجتمعي وسياسات عملية وممارسات مهنية، تسهم في بناء إنسان متقن، ومجتمع منتج، ودولة تتقدم بالقيم بقدر ما تتقدم بالعلم.




