تقارير وملفات

‏53 عامًا على العبور: كيف نحول دروس أكتوبر إلى منهاج للتضامن ‏القومي العربي؟

مجلة العرب – أسرة التحرير

في الذكرى الثالثة والخمسين لحرب السادس من أكتوبر 1973، لا ‏تستدعي الأمة العربية واقعةً عسكريةً مضت فحسب، بل تستعيد لحظةً ‏كبرى ما زالت، كلما اشتد الخطر من حولنا، تنبض في الذاكرة الجمعية ‏وكأنها البارحة: لحظةً أثبتت أن الهزيمة ليست قدرًا نهائيًا، وأن الأمم، ‏مهما ثقل عليها الجرح، قادرة على استرداد قدرتها على الفعل حين تحسن ‏فهم أزمتها وتعبئة طاقاتها. فهل تستطيع دروس أكتوبر، بعد أكثر من ‏نصف قرن، أن تعيننا اليوم على قراءة الأخطار التي تحيط بوطننا ‏العربي، وعلى بناء ما يحمي أمننا القومي وسيادتنا ومستقبل أجيالنا؟
جاءت حرب أكتوبر المجيدة بعد ست سنوات من هزيمة يونيو 1967 ‏التي تركت آثارًا عسكرية وسياسية واقتصادية واجتماعية ونفسية عميقة ‏في مصر وسوريا، وامتد صداها إلى المجال العربي كله. كانت سيناء ‏تحت الاحتلال، وكانت الجولان قد فقدت، وكانت صورة التفوق ‏الإسرائيلي تُقدَّم للعالم كما لو أنها حقيقة ثابتة لا تقبل المراجعة. غير أن ‏السنوات الفاصلة بين الهزيمة والعبور برهنت أن الخسارة لا تُعالج ‏بالإنكار أو بالاستسلام للحزن، بل بالمراجعة، وإصلاح مواطن الضعف، ‏وإعادة بناء القوات والمؤسسات، والعمل الطويل من أجل هدف واضح ‏وقابل للتحقيق‎.‎
ولم تكن أكتوبر معركة منفصلة عن هذا المسار، بل كانت محصلته ‏الطبيعية؛ فقد تلاقت فيها خبرة حرب الاستنزاف، وبناء الدفاع الجوي، ‏والتدريب على العبور، وعمل المهندسين، والانضباط الصارم في حفظ ‏السر، وخطة الخداع، والتنسيق المصري السوري، والإسناد العربي ‏السياسي والمالي والنفطي. لذلك لا يصح اختزالها في مشهد رفع العلم أو ‏في صيحة العبور الخالدة “الله أكبر”، على عظمة أثرهما الوجداني؛ إذ ‏كان النصر ثمرة جهد تراكمي شارك فيه الجندي والضابط والمهندس ‏والعامل والمجتمع، لا مصادفة عسكرية ولا بطولة معزولة‎.‎
وإذا كانت أكتوبر قد كسرت في عام 1973 جمودًا عسكريًا ونفسيًا بدا ‏عصيًّا على التغيير، فإن الأخطار التي تحيط بالأمن القومي العربي اليوم ‏تتخذ أشكالًا أكثر تشابكًا؛ فهي لا تقف عند حدود الدبابة والطائرة، بل ‏تمتد إلى الصواريخ والمسيّرات، وتهديد الممرات البحرية والطاقة ‏والغذاء والمياه، والاختراقات الرقمية، وحملات التضليل التي تستهدف ‏تماسك المجتمعات وثقتها بنفسها. ومن ثم، لا يكون استحضار أكتوبر ‏احتفاءً بالماضي لذاته، بل محاولة صادقة لاستخلاص منهج عمل ‏للحاضر، ووفاء لدمٍ ودموعٍ لا يجوز أن ينساهما جيل جاء بعدهما‎.‎

والسؤال الآن، إذن، ليس: كيف نعيد حرب 1973 بتفاصيلها؟ فلكل زمنٍ ‏أدواته وخرائطه. وإنما: كيف نحوّل الخطر إلى استعداد، والموارد ‏المتفرقة إلى قدرةٍ مشتركة، والاعتماد على الحلول الجاهزة إلى ابتكارٍ ‏يناسب واقعنا؟ هنا تكمن القيمة الحية لأكتوبر، التي لا تشيخ مع الزمن: ‏أن المستحيل لا ينهار بالتمني، بل حين تلتقي الإرادة بالعلم والتنظيم. ‏وفي محاولةٍ لاستخلاص هذا الدرس من رحم الذاكرة، نتناول الموضوع ‏في ثمانية محاور: من صدمة الانكسار عام 1967، مرورًا ببداية ‏التماسك وحرب الاستنزاف والإعداد السري لساعة الصفر، وصولًا إلى ‏معجزة العبور الهندسية وصداها في العالم، وانتهاءً بما تستحقه هذه ‏الذكرى اليوم من تأمل في أمننا القومي العربي المشترك‎.‎

أولًا: يونيو 1967.. حين تجاوزت الهزيمة حدود الجبهة‏
ولكي نفهم كيف تحقق هذا العبور، لا مفر من العودة إلى نقطة الانكسار ‏الأولى التي انطلقت منها كل حكاية الصمود اللاحقة. ففي صباح الخامس ‏من يونيو 1967، واجهت مصر وسوريا والأردن والفلسطينيون والعالم ‏العربي كله صدمة واسعة تجاوزت حدود الخسارة العسكرية المباشرة. ‏بالنسبة إلى مصر، أدى انهيار الموقف العسكري إلى احتلال شبه جزيرة ‏سيناء حتى الضفة الشرقية لقناة السويس، وهي مساحة تقارب 61 ألف ‏كيلومتر مربع، وإلى خسائر جسيمة في الطيران والعتاد والمنشآت. ولم ‏يكن فقدان سيناء مجرد ضياع لأرضٍ عزيزة؛ فقد ترتب عليه انكشاف ‏جبهة طويلة، وإغلاق قناة السويس، وتراجع موارد اقتصادية حيوية، ‏وتوقف الاستفادة من مناطق نفطية في سيناء‎.‎
وتحولت مدن القناة، بورسعيد والإسماعيلية والسويس، إلى مدن مواجهة ‏تتعرض للتهديد والقصف، واضطر مئات الآلاف من سكانها إلى النزوح ‏نحو محافظات الداخل. كانت تلك لحظة اجتماعية قاسية، امتزجت فيها ‏مرارة فقدان البيت والأرض بضغط معيشي واقتصادي شامل، كما أثرت ‏الهزيمة في وجدان المواطن المصري الذي رأى في أيام قليلة انهيار ‏الصورة التي كان يتخيلها عن القدرة على المواجهة والصمود‎.‎
وعلى الجبهة السورية، كانت خسارة هضبة الجولان ذات أثر استراتيجي ‏بالغ؛ فالجولان موقع مرتفع يتحكم في مساحات واسعة، وتجعله طبيعته ‏الجغرافية عاملًا مؤثرًا في أمن دمشق وفي التوازن العسكري شمالًا. ‏لذلك لم تكن الخسارة السورية حدثًا محليًا، بل أضافت إلى الشعور ‏العربي العام بأن الخطر صار قريبًا من العواصم والمراكز السكانية، ‏وأن نتائج الحرب يمكن أن تمس مستقبل المنطقة كلها‎.‎
أما في الشارع العربي، فقد ولدت الهزيمة حالة من الحزن والذهول ‏والأسئلة القاسية؛ إذ لم يعد السؤال متعلقًا بوقائع المعركة وحدها، بل ‏بأسباب الترهل والإهمال والتسيب، وبكفاءة المؤسسات، وبالفجوة بين ‏الخطاب السياسي والقدرة الفعلية. انعكس ذلك في الصحافة والأدب والفن ‏والنقاش العام، وظهر شعور بأن الكبرياء القومي جُرح جرحًا عميقًا. غير ‏أن هذا الوجع نفسه حمل في داخله بذرة التغيير؛ لأن الشعوب التي ‏تعرف حجم أزمتها تستطيع، إن وجدت قيادة واعية ومؤسسات جادة، أن ‏تحوّل الألم إلى دافع للعمل‎.‎
وكان الدرس الأول بعد يونيو أن البناء الوطني لا يحتمل التزييف؛ فالقوة ‏العسكرية لا تقاس بالشعارات ولا بحجم العروض، بل بجاهزية القوات، ‏وكفاءة القيادة، وسلامة الاتصال، وقدرة الدولة على حماية قرارها. ومن ‏هذه الحقيقة بدأت مصر عملية مراجعة وإعادة تنظيم واسعة، وبدأت ‏سوريا بدورها في إعادة بناء قواتها وتعزيز جبهتها. ولم يكن الطريق إلى ‏أكتوبر طريقًا مفروشًا بالورود، بل طريقًا طويلًا من التدريب ‏والتضحيات وتصحيح الأخطاء، طريقًا لم يبدأ بخطة جاهزة، بل بقرار ‏صعب: أن يواجه الجيش والمجتمع حقيقة الهزيمة من دون مواربة‎.‎

ثانيًا: من الرفض إلى الفعل.. الصمود وبداية التماسك
وهذا القرار الصعب لم يبق حبيس أروقة القيادة، بل وجد صداه في ‏الشارع مبكرًا؛ فجاءت تظاهرات التاسع والعاشر من يونيو 1967 في ‏مصر لتقول إن الشعب يرفض التسليم بالهزيمة بوصفها قدرًا دائمًا. ولم ‏يكن هذا الرفض مجرد انفعال عاطفي؛ فقد وفر غطاءً سياسيًا واجتماعيًا ‏لعملية إعادة البناء؛ فالجبهة الداخلية التي تؤمن بإمكان النهوض تستطيع ‏أن تتحمل سنوات من التقشف والخطر، وأن تمنح جيشها الثقة التي يحتاج ‏إليها وهو يعيد تنظيم نفسه من الصفر تقريبًا‎.‎
بدأت القوات المسلحة المصرية في إعادة ترتيب القيادات، وإصلاح ما ‏كشفته الحرب من أوجه قصور، وإعادة التدريب على أسس أكثر واقعية. ‏وكان من المهم استعادة الثقة على الأرض لا عبر الخطب وحدها؛ ففي ‏الأول من يوليو 1967، جاءت معركة رأس العش لتثبت أن وحدة ‏محدودة من القوات المصرية، (قوامها 30 جنديًا من الصاعقة بأسلحة ‏خفيفة)، يمكنها عند إحكام استخدام الموقع والسلاح أن تمنع تقدم قوة ‏إسرائيلية كبيرة، (قوامها كتيبة مشاة ميكانيكي وسرية دبابات مدعومتين ‏بالطيران الحربي) نحو بورفؤاد. لم تكن المعركة كبيرة بمقاييس الحروب ‏الشاملة، لكنها كانت كبيرة في أثرها المعنوي؛ لأنها كسرت صورة ‏العجز الكامل، وأعادت إلى الجندي والمواطن معًا معنى المبادأة‎.‎
وسارت الخطوات التالية على النهج ذاته: ففي الحادي والعشرين من ‏أكتوبر من العام نفسه، أغرقت زوارق الصواريخ المصرية المدمرة ‏الإسرائيلية «إيلات» قبالة بورسعيد، في حدث تجاوز أثره العسكري ‏أهميته الدعائية؛ إذ أظهر فاعلية الصواريخ البحرية في مواجهة قطع ‏أكبر حجمًا وتسليحًا، وصار مثالًا يُدرّس في تطور الحرب البحرية ‏الحديثة. كانت الرسالة واضحة: تفوق الخصم لا يعني أنه محصن ضد ‏الأفكار الجديدة أو ضد الاستخدام الذكي للسلاح المتاح‎.‎
وفي موازاة هذه الضربات المتفرقة، بدأ العمل المضني على مشروع ‏أكبر وأبطأ أثرًا: بناء حائط الصواريخ. فقد كان التفوق الجوي ‏الإسرائيلي بعد 1967 يمنح إسرائيل حرية واسعة في الإغارة والضغط ‏والتهديد، ويصعّب على القوات البرية الحركة في العراء. ولهذا عمل ‏رجال الدفاع الجوي والمهندسون والعمال على إقامة شبكة دفاعية من ‏الصواريخ والمدفعية والرادارات والتحصينات، ثم دفعها تدريجيًا إلى ‏الأمام رغم القصف والخسائر؛ فلم يكن الهدف مجرد إسقاط طائرات، بل ‏كبح حرية الطيران المعادي وخلق مظلة تحمي القوات عندما يأتي وقت ‏العمل الهجومي‎.‎
وعلى الجبهة الشمالية، لم تقف سوريا متفرجة على هذا الجهد؛ فقد أعادت ‏تنظيم وحداتها ودعمت خطوط الدفاع في مواجهة الجولان، واستعدت ‏لفتح جبهة نشطة حين تتوافر شروط الهجوم. وعلى المستوى العربي ‏الأوسع، قدمت دول عربية دعمًا ماليًا وسياسيًا ولوجستيًا ساعد مصر ‏وسوريا على تحمل كلفة الإعداد الطويل. لم تختفِ الخلافات العربية، ‏لكن لحظة الخطر أبرزت أن الأمن المشترك لا يصان بالخطابات ‏المجردة، بل بوجود موارد وإرادة واستعداد لدعم الدولة التي تواجه على ‏الخط الأمامي.‏

ثالثًا: حرب الاستنزاف.. مدرسة صهر المقاتل وكسر وهم الحصانة
وهذا الدعم للخط الأمامي المصري لم يقف عند حدود بناء التحصينات؛ ‏فعلى طول جبهة قناة السويس اندلعت نيران حرب الاستنزاف، التي ‏تجاوزت في حقيقتها مناوشات حدودية أو تبادلًا روتينيًا للقذائف المدفعية ‏عبر ضفتي الممر المائي، لتغدو معركة كسر إرادة ممنهجة، وطحنًا ‏نفسيًا وماديًا طويلًا استمر لأكثر من 1000 يوم، وتحولت في جوهرها ‏إلى أرقى مدرسة عسكرية ميدانية صهرت المقاتل العربي وأعادت ‏صياغة عقيدته القتالية ليصبح القوة الكاسحة في يوم الحسم. وقامت ‏الاستراتيجية المصرية في هذه المرحلة على تحويل المانع المائي للقناة ‏من جدار أمان يفصل سيناء ويخدم تمركز العدو، إلى مصيدة يومية تشل ‏حركته وتستنزف أعصابه وقدراته اللوجيستية، بيقين صلب وتخطيط ‏علمي صارم‎.‎
واتسعت العمليات على الأرض لتتحول إلى واقع ملموس عبر تكتيكات ‏جريئة نفذها أبطال القوات المسلحة والمجموعات الخاصة، وفي مقدمتها ‏‏”المجموعة 39 قتال” بقيادة إبراهيم الرفاعي، التي أصبحت كابوسًا ‏يؤرق قادة تل أبيب. عبرت دوريات الصاعقة القناة مئات المرات في ‏عتمة الليل، متسللة بين الألغام والأسلاك الشائكة لتقتحم النقاط الحصينة ‏لخط بارليف من مسافة الصفر، وتزرع العبوات المتفجرة، وتأسر ‏الضباط والجنود، وتدمر أطقم الدبابات والمجنزرات في قلب مواقعها ‏الحاكمة. وتكامل ذلك مع قصف مدفعي منظم وبعيد المدى أحدث دمارًا ‏هائلًا في خطوط الإمداد والمخازن الخلفية للعدو، وحقق خسائر بشرية ‏واقتصادية مرعبة داخل إسرائيل؛ إذ أجبرت هذه الضربات المتلاحقة ‏الكيان على استدعاء قوات الاحتياط باستمرار، فتعطلت حركة الإنتاج ‏والصناعة في عمقه، وتضاعفت الكلفة اليومية لبقاء قواته في سيناء‎.‎
وكانت النتيجة الاستراتيجية الكبرى لهذه المعارك الطاحنة تقويضًا كاملًا ‏للقناعة الراسخة لدى قادة الكيان بأن حدودهم آمنة إلى الأبد؛ إذ أدركت ‏المؤسسة العسكرية في تل أبيب، لأول مرة، أن التحصينات الهندسية ‏والخرسانة المسلحة والمانع المائي لا توفر أدنى حصانة أمام مقاتل عاقد ‏العزم على استرداد حقه المنهوب‎.‎
وعلى الجبهة السورية، شهدت خطوط المواجهة في الجولان اشتباكات ‏مدفعية مستمرة وحرب كمائن في القطاع الشمالي وجبل الشيخ، أسهمت ‏في تشتيت الجهد الاستراتيجي الإسرائيلي ومنعت انفراده بالجبهة ‏الجنوبية. وهكذا غدت معارك الاستنزاف برمتها بروفة حية اختبرت فيها ‏القيادة العربية كفاءة سلاحها، وطورت خلالها أساليب بناء الجسور ‏والعبور، وصنعت الروافد النفسية التي حطمت عوائق الخوف والتردد ‏قبل الانطلاق الكبير في ظهيرة السادس من أكتوبر‎.‎

رابعًا: الإعداد والخداع الاستراتيجي.. هندسة المفاجأة قبل ساعة الصفر
وعلى هذا الأساس النفسي والعسكري الذي بنته سنوات الاستنزاف، انتقل ‏العمل من الميدان المكشوف إلى الغرف المغلقة؛ فحين وضعت حرب ‏الاستنزاف أوزارها بقبول مبادرة روجرز (أواخر يوليو ودخولها حيز ‏التنفيذ الفعلي بوقف إطلاق النار في 7 أغسطس 1970)، ودخلت ‏المنطقة في طور من السكون والجمود الظاهري المضلل، كانت غرف ‏العمليات في القاهرة ودمشق تحيك وراء هذا الستار الهادئ أعظم خطط ‏الخداع الاستراتيجي في العصر الحديث. جرى الإعداد لحرب أكتوبر ‏بكل تفاصيله السياسية واللوجيستية والعسكرية عبر تنسيق سري صارم ‏ومعقد بين القيادتين المصرية والسورية، (السادات والأسد)، تنسيق جرى ‏تأمينه وعزله عن الشبكات الخارجية وعيون أجهزة التلصص الدولية، ‏لضمان تحقيق المفاجأة الكاملة وعمى المخابرات الإسرائيلية والأمريكية‎.‎
ودارت كواليس هذا الإعداد عبر لقاءات وزيارات سرية، ورسائل شفهية ‏نقلها مبعوثون موثوقون في غاية المحدودية؛ حيث جرت دراسة الخرائط ‏والمناخ والمد والجزر في قناة السويس، وتحديد موعد القتال بدقة شديدة. ‏وجاء اختيار يوم السادس من أكتوبر، الموافق للعاشر من رمضان، ‏ليتوافق مع عيد الغفران اليهودي الذي تشل فيه حركة المواصلات ‏والإذاعة والعمل داخل الكيان، مما يعوق سرعة استدعاء الاحتياط ‏الإسرائيلي‎.‎
وكان الإنجاز العبقري الأكبر في هذا التنسيق تحديد ساعة الصفر عند ‏الثانية ظهرًا تحديدًا، وهو توقيت غير مألوف في تاريخ العقائد العسكرية ‏للحروب الكبرى التي تبدأ عادة مع خيوط الفجر الأولى. ووفر هذا القرار ‏ميزتين استراتيجيتين حاسمتين: الأولى أن حركة الشمس المتجهة نحو ‏الغرب أصابت رادارات ودفاعات العدو الشرقية على طول خط بارليف ‏بعمى نسبي، فحدت من قدرتها على الرصد الدقيق؛ والثانية أنه وفر ‏ساعات نهار كافية لإسقاط الساتر الترابي وبناء الجسور وتأمين الموجات ‏الأولى للعبور قبل حلول الظلام، على أن يتكفل ليل سيناء والجولان ‏بحماية انتشار المدرعات والجنود في عمق الجبهة، وتأسيس رؤوس ‏الكباري الحامية‎.‎
ولضمان عزل هذا السر عن الشبكات المتربصة، نفذت مصر بالتوازي ‏خطة خداع استراتيجي شاملة ومحكمة؛ فسرّحت دفعات من الجنود ‏القدامى في سبتمبر لإيهام العدو بتراجع نية القتال، وأعلنت رسميًا عن ‏فتح باب العمرة لضباط القوات المسلحة، وطرحت مناقصات لاستيراد ‏شحنات إضافية من القمح. وأجرت، إلى جانب ذلك، تدريبات ومناورات ‏دورية وواسعة على الضفة الغربية للقناة، تُسحب وتُعاد بانتظام إلى ‏ثكناتها الخلفية، حتى اعتادت عيون الاستطلاع والمناظير الإسرائيلية ‏والأمريكية على مشهد الحركة الحاشدة، فرأته روتينيًا بلا خطورة. وهذا ‏الإحكام الصارم في كتمان السر وعزل النوايا أجهض كليًا قدرة أجهزة ‏الاستخبارات في الكيان وواشنطن على قراءة المؤشرات أو التنبؤ ‏بالهجوم؛ لتستيقظ إسرائيل في ظهيرة السادس من أكتوبر على جحيم ‏المدافع وهدير الطائرات العربية، وهي تقتحم حصونها المنيعة في ذروة ‏ذهولها الاستراتيجي والتكتيكي‎.‎
ويجدر القول إن الخطة المصرية كانت واقعية ومحددة: عبور القناة، ‏وتحطيم خط الدفاع الأمامي، وإقامة رؤوس كباري على مسافة تحميها ‏مظلة الدفاع الجوي. لم يكن الهدف اندفاعًا مفتوحًا إلى أعماق سيناء من ‏دون حساب، بل بناء مكسب عسكري يمكن حمايته وإدارته؛ وتلك ‏الواقعية كانت أحد أسرار النجاح، فالخطة الجيدة لا تتجاهل حدود ‏الإمكان، بل تجعل من معرفة الحدود أساسًا لتحقيق هدف واضح‎.‎

خامسًا: العبور: معجزات خارج الصندوق.. وعبقرية قهرت المستحيلات
وحين حانت ساعة الصفر التي أُعدّت لها الخطط بهذه الدقة، تجاوز حجم ‏الإنجاز العسكري والميداني الذي تحقق في الساعات الأولى كل التوقعات ‏والنظريات السائدة التي وضعتها الأكاديميات العسكرية الكبرى في ‏الغرب والشرق على السواء. فقد تحولت أرض المعركة إلى ساحة ‏مفتوحة تجلت فيها العبقرية الفطرية للإنسان العربي تحت الضغط ‏الخانق، ونجحت فيها حلول بسيطة ومبتكرة بعمق علمي وتلقائي في ‏تفكيك معضلات هندسية وتكتيكية صُنفت عسكريًا بأنها “مستحيلات ‏حتمية” لا تُعالَج بالوسائل التقليدية‎.‎
تمثلت أولى هذه المعجزات في اختراق الساتر الترابي لخط بارليف ‏الأسطوري؛ ذلك الجدار الخرساني والترابي الذي كان يرتفع بزاوية ميل ‏حادة تتراوح بين 45 إلى 65 درجة، وبارتفاع يتراوح بين 20 إلى 25 ‏مترًا على طول الضفة الشرقية لقناة السويس، وصُمم ليكون مانعًا ‏يستحيل على أي مدرعة أو جندي اقتحامه، حتى حذّرت تقارير دولية من ‏أن فتحه يتطلب قنابل نووية تكتيكية أو التضحية بعشرات الآلاف من ‏الأرواح. وجاء الحل من عقل المقدم المهندس باقي زكي يوسف، الذي ‏اقترح فكرة استثنائية: توظيف مضخات مياه قوية وخفيفة الوزن، ‏مصنوعة من توربينات خاصة، لسحب مياه القناة وفتح ثغرات في جبل ‏التراب عبر التجريف الهيدروليكي المباشر. فتهاوى الجدار أمام خراطيم ‏المياه في ساعات معدودة، وفُتحت الممرات لعبور الدبابات والموجات ‏الأولى بأقل كلفة بشرية ومادية ممكنة‎.‎
ولم تقل أهمية عن ذلك منظومة الجسور والمعابر؛ فالمشاة الذين عبروا ‏أولًا احتاجوا أن تلحق بهم المدرعات والمدفعية والإمداد، وإلا تحولت ‏رؤوس الكباري إلى مواقع معزولة، فعملت قوات المهندسين في ظروف ‏بالغة الصعوبة لبناء الكباري وتشغيل المعديات وتوسيع الثغرات‎.‎
وامتد الابتكار إلى ما هو أبعد من الهندسة الحركية، ليطوق منظومة ‏الاتصالات ويمنع أجهزة الإنصات والتجسس الإسرائيلية والأمريكية ‏المتقدمة من فك شفرات التحركات على الخطوط الأمامية؛ إذ جاءت فكرة ‏الصول أحمد إدريس بتعديل شفرات إشارات الراديو، واستخدام اللغة ‏النوبية القديمة بلهجتيها (الكنزية والفاديكية) كلغة تخاطب رسمية ‏وعسكرية بين الوحدات والقادة. وبما أن النوبية لغة منطوقة لا قواميس ‏مكتوبة لها في المعاهد الدولية، أصيبت شبكات المخابرات والإنصات ‏الإسرائيلية بعجز كامل، فظلت تسمع الكلمات من دون أن تفهم منها ‏حرفًا واحدًا، وأتاح ذلك توجيه كتائب المدرعات والمشاة بسرية تامة‎.‎
وتكامل هذا كله مع إنجاز تاريخي لرجال الدفاع الجوي، الذين نجحوا في ‏تطوير منظومات صواريخ “سام” وجعلها متحركة عالية المرونة، تُغيّر ‏مواقعها باستمرار تحت جحيم القصف؛ فسمح ذلك بنقل حائط الصواريخ ‏بتنسيق متدرج مع القوات المتقدمة في عمق سيناء، وصنع مظلة حماية ‏قطعت الذراع الطولى لطيران العدو، وهدمت تفوقه الجوي. ‏
وفي الجبهة السورية، اندفعت القوات في هجوم واسع على الجولان ‏بالمشاة والدروع والمدفعية، وأحرزت تقدمًا في الساعات الأولى وضع ‏إسرائيل أمام خطر مباشر قريب من مراكزها السكانية والصناعية، قبل ‏أن تنقل إسرائيل ثقل احتياطاتها إلى الشمال وتشن هجومًا مضادًا. لكن ‏أثر الهجوم السوري ظل كبيرًا؛ فقد منع إسرائيل من توجيه كامل ‏اهتمامها إلى سيناء في الأيام الأولى، وأكد أن تنسيق الجبهات يضاعف ‏الأثر الاستراتيجي للقوة المتاحة‎.‎
إن هذه العبقرية الفطرية التي صنعت المستحيل خارج الصندوق تحت ‏وطأة الحصار والضغط عام 1973، هي النبتة الحية التي يمكن أن ‏تُستنبت من جديد اليوم، في مواجهة الأخطار والتهديدات المعاصرة، ‏لحماية الهوية وصيانة المستقبل.‏

سادسًا: صدمة العالم.. حين انهار وهم التفوق المطلق
وهذه النبتة نفسها، نبتة الابتكار تحت الضغط، هي ما جعل صدمة ‏العبور تتجاوز حدود الميدان لتضرب، كزلزال مباغت، العواصم الكبرى ‏ومراكز الفكر الاستراتيجي الدولي كافة؛ فصدمة الانتصار العربي لم ‏تقتصر على تدمير الدبابات والحصون في سيناء والجولان، بل امتدت ‏إلى ما هو أعمق من ذلك بكثير. فقد استيقظ العالم في ظهيرة السادس من ‏أكتوبر على حقيقة جديدة تمامًا، نسفت مئات التقارير الاستخباراتية التي ‏روجت لسنوات لموت الإرادة القتالية العربية، ولاستحالة تغيير خطوط ‏الأمر الواقع في الشرق الأوسط من دون الرضوخ لشروط القوى ‏الكبرى. ورأى العالم في هذا الانتصار تحولًا دراماتيكيًا أثبت، باليقين ‏والتجربة، أن التخطيط العلمي والنسق المشترك والتكامل الفعلي قادر ‏على سحق أحدث ترسانات السلاح، وتفكيك أوهام التفوق الذي ظُن يومًا ‏أنه لا يُقهر‎.‎
وبدت الصحافة الدولية ومراكز الأبحاث والدراسات في حالة ذهول؛ ‏فتبدلت نبرة التقارير من الاستخفاف بالقدرات العربية إلى الإشادة ببسالة ‏المقاتل وشجاعة الجندي وقدرة القيادة التي أدارت الصراع بهدوء وثبات ‏ويقين صلب. وفي المقابل، عاشت إسرائيل صدمة كبرى لم تشهد لها ‏مثيلًا منذ تأسيسها؛ صدمة هزت كبرياء المؤسسة العسكرية، ونسفت ‏‏”عقدة الكونسبتسيا”؛ وهو المفهوم الاستخباراتي الذي قام على فرضية ‏جامدة تفترض أن العرب عاجزون عن بدء الحرب أو تنسيق هجوم ‏شامل. انطلقت صرخات الاستغاثة لفتح الجسور الجوية، وتحدثت رئيسة ‏الوزراء جولدا مائير بمرارة مسموعة عن زلزال عنيف هز بيتهم، وظل ‏وجه وزير الدفاع موشيه ديان شاحبًا ومرتبكًا أمام شاشات التلفزة وهو ‏يعترف بقوة الزحف العربي، ونسف نظرية الحدود الآمنة كليًا. وتحولت ‏الغطرسة القديمة فورًا إلى لجان تحقيق علنية، وفي مقدمتها لجنة ‏‏”أجرانات”، التي فتحت دفاتر الجيش والمخابرات بحثًا عن المسؤول عن ‏هذا العمى الكامل والهزيمة النكراء التي هزت بعنف ثقة الإسرائيليين في ‏جيشهم، وهدمت هالة القوة والتفوق الزائف في الوجدان الشعبي‎.‎
وقد تركت الحرب أثرًا واسعًا في الدراسات العسكرية حول العالم؛ فأُعيد ‏النظر في علاقة الدروع بالمشاة، وفي فاعلية الصواريخ المضادة ‏للطائرات والدبابات، وفي قيمة الاستعداد والتعبئة والاستخبارات، وفي ‏مخاطر تجاهل نيات الخصم. وهكذا انتقلت أكتوبر من كونها حدثًا إقليميًا ‏إلى مادة تدرسها المؤسسات العسكرية، لا لأنها قدمت إجابة نهائية لكل ‏الحروب، بل لأنها طرحت أسئلة ما زالت حية حول المرونة والابتكار ‏وتجنب الغرور الاستراتيجي‎.‎

سابعًا: استرداد الأرض والروح: الهامة المرفوعة وتفكيك زمن الخذلان
وإذا كان العالم قد استخلص من أكتوبر دروسًا عسكرية وأكاديمية، فإن ‏أعمق ما استخلصته الأمة العربية نفسها كان من طبيعة مختلفة تمامًا؛ ‏فحين وضعت الحرب أوزارها، ومع توقف إطلاق النار على الجبهات، ‏تجاوزت المكاسب الاستراتيجية للأمة مجرد تحرير الكيلومترات ‏المستعادة، أو استرداد الممرات الحاكمة والمضايق الجغرافية، أو تفكيك ‏التحصينات المادية للعدو على الضفة الشرقية. فقد كان الإنجاز الأبقى ‏والأعظم الذي سُطر في دفاتر التاريخ هو إعادة الروح والكرامة للإنسان ‏العربي، وترميم الوجدان القومي من المحيط إلى الخليج. أعادت المعركة ‏صياغة الشخصية العربية من جديد، ونفضت عنها ركام الهزيمة المذلة، ‏لترتفع الهامات التي انحنت لسنوات تحت وطأة جرح النكسة الغائر ‏وسياط الخذلان‎.‎
في مصر، رفعت خطوة العبور وصوت “الله أكبر” الصادق تلك الغصة ‏الثقيلة التي خيمت على الصدور والبيوت والقرى منذ يونيو 1967؛ ‏وعاد الفلاح والعامل والجندي ليشعروا باليقين والفخر، وهم يرون العلم ‏الوطني يرفرف مجددًا في سيناء، فوق الضفة الشرقية لقناة السويس التي ‏استعادت سيادتها وتدفق حركتها‎.‎
وفي سوريا، تحطمت هيبة الأمن الإسرائيلي الذي بدا يومًا غير قابل ‏للاختراق، على صخرة الدفاع في الجولان وجبل الشيخ، واستعادت الشام ‏ثقتها التامة في دورها التاريخي كقلب نابض لحماية الهوية والدفاع عن ‏الثغور. وعمّ هذا الشعور بالفخر والاعتداد بالذات القومية من الخليج إلى ‏المحيط؛ فتلاشت عقدة النقص والشعور بالعجز المزمن أمام الغرب ‏والتفوق التكنولوجي للعدو، وأيقنت الملايين في كل مدينة وقرية عربية ‏أن الوحدة وتكامل الجهود وصهر الطاقات المادية والسياسية والنفطية ‏ليست شعارات إنشائية تفرغها الأحداث من مضمونها، بل هي الحقيقة ‏الوحيدة القادرة على صنع المعجزات، وكسر كماشة الحصار، واسترداد ‏الحقوق المغتصبة بقوة السلاح وبقدرة تفرض احترامها على العالم‎.‎

ثامنًا: روح أكتوبر 2026.. من الذاكرة إلى منهاج للأمن القومي العربي‏
وبعد أن استعادت الأمة كرامتها وثقتها بنفسها، يبقى السؤال الذي لا ‏ينبغي أن يغيب عن هذه الذكرى: كيف نحول هذه الروح، التي لم تشخ ‏بعد 53 عامًا، إلى منهاج عمل حي لحاضرنا؟ حين نستدعي أكتوبر ‏اليوم، يجب أن نتحرر من فكرة أن الدرس الوحيد هو خوض حرب ‏تقليدية جديدة؛ فالأمن القومي العربي في 2026 يواجه مشهدًا مختلفًا: ‏اضطرابًا إقليميًا، وضغوطًا اقتصادية، وتهديدات للملاحة الدولية ‏والمضايق البحرية، واستهدافًا محتملًا للبنية التحتية للطاقة والاتصالات، ‏وانتشارًا واسعًا للمسيّرات والصواريخ الدقيقة، وصراعًا على البيانات ‏والوعي العام لا يقل خطورة عن الصراع على الأرض. لكن اختلاف ‏الأدوات لا يلغي صلاحية المبادئ التي صنعت العبور، وهي مبادئ ‏تستحق أن نتأملها اليوم، لا بوصفها استذكارًا لماضٍ عزيز فحسب، بل ‏بوصفها وصية حية من جيلٍ ضحى لجيلٍ يرث الأمانة‎.‎
‏-‏ أول هذه المبادئ الاستعداد قبل الأزمة؛ فلا دولة تحمي أمنها ‏القومي عند لحظة الانفجار وحدها، بل تحميه حين تستثمر في ‏التعليم الفني، والبحث العلمي، والصناعة، والكوادر القادرة على ‏إصلاح وتعويض ما يتعطل، والبنية التحتية التي تصمد أمام ‏الضغط. لقد سبق العبور سنوات من التدريب وبناء الصواريخ ‏وتطوير الجسور وتحسين الاتصالات؛ وبالمثل، فإن حماية الأمن ‏العربي اليوم تبدأ من امتلاك القدرة على تأمين الغذاء والدواء ‏والطاقة والبيانات، ومن بناء احتياطات وخطط طوارئ لا تنتظر ‏المفاجأة‎.‎
‏-‏ وثانيها وضوح الهدف؛ فقد حققت الخطة المصرية نجاحًا كبيرًا ‏لأنها لم تطلب من قواتها في اللحظة الأولى ما يتجاوز قدرتها على ‏الحماية والإمداد. وهذا درس مهم في عالم تتزاحم فيه التهديدات: ‏يجب تحديد الأولويات. ما الممرات التي تمثل شرايين حياة؟ وما ‏المنشآت التي يتسبب تعطيلها في أزمة عامة؟ وما القطاعات التي لا ‏يجوز أن تعتمد بالكامل على الخارج؟ فلا يمكن بناء أمن قومي ‏فعال إذا تساوت كل الملفات في الأهمية، أو تحولت الاستراتيجية ‏إلى قائمة أمنيات بلا ترتيب‎.‎
‏-‏ وثالثها التكامل العربي العملي؛ فقد أظهرت أكتوبر أثر جمع الجهد ‏العسكري في الجبهات المباشرة مع الدعم المالي والسياسي ‏والاقتصادي من العمق العربي. واليوم تحتاج الدول العربية إلى ‏توسيع هذا المنطق في مجالات واقعية: تبادل المعلومات حول ‏المخاطر، وحماية الملاحة والموانئ، والتعاون في الإنذار المبكر، ‏وتنسيق أمن الطاقة، وتطوير قدرات الدفاع الجوي والبحري ‏والسيبراني، والتعاون في إدارة الكوارث والإغاثة. ولا يعني ذلك ‏إلغاء خصوصية الدول أو مصالحها، بل إدراك أن الخطر على ‏البحر الأحمر أو الخليج أو المتوسط، أو على شبكات الطاقة ‏والغذاء، قد تتجاوز آثاره حدود الدولة التي يبدأ فيها‎.‎
‏-‏ ورابعها الابتكار الملائم؛ فقد استخدمت مصر في أكتوبر حلًا ‏هندسيًا بسيطًا وفعالًا لتجاوز الساتر الترابي، لم يكن الأغلى ولا ‏الأكثر تعقيدًا، لكنه كان الأنسب للمهمة. وتلك الروح مطلوبة اليوم ‏في مجالات كثيرة: مسيّرات دفاعية محلية الصنع، وأنظمة إنذار ‏منخفضة الكلفة، وحلول لحماية شبكات المياه والكهرباء، ومراكز ‏للأمن السيبراني، وبرامج لتأهيل الشباب في الصناعات الدقيقة، ‏وخطط لتأمين سلاسل الإمداد؛ فالمطلوب ألا يبقى الوطن العربي ‏مستهلكًا دائمًا للحلول المستوردة، بل أن يملك القدرة على فهم ‏مشكلاته وإنتاج الأدوات المناسبة لها‎.‎
‏-‏ وخامسها حماية الوعي؛ فقد بيّنت أكتوبر أن التقدير الخاطئ للخصم ‏قد يكون أخطر من نقص المعلومات. وفي عصر المنصات الرقمية ‏والذكاء الاصطناعي والصور المفبركة والحملات المنظمة، يصبح ‏الوعي العام جزءًا من الدفاع الوطني؛ وليست حماية الوعي دعوة ‏إلى إغلاق المجال العام، بل إلى بناء إعلام مهني، وتعليم نقدي، ‏ومؤسسات موثوقة، وقدرة سريعة على كشف التضليل، فالمجتمع ‏الذي يفقد ثقته في نفسه وفي مؤسساته يمكن أن يُهزم من الداخل ‏حتى لو امتلك أدوات قوة كبيرة‎.‎
‏-‏ وسادسها أن القوة ليست عسكرية فقط؛ فصيانة الأمن القومي ‏العربي تعني أيضًا حماية الإنسان من الفقر والبطالة والتهميش، ‏وضمان أن تبقى الدولة قادرة على تقديم التعليم والعلاج والعدالة ‏والخدمات الأساسية؛ فالجبهة الداخلية المتماسكة هي الشرط ‏الصامت لكل قدرة دفاعية. لقد احتاجت مصر بعد 1967 إلى ‏مجتمع يتحمل التهجير وضعف الخدمات والموارد ويمنح جيشه ‏الوقت والظهير، وتحتاج الدول العربية اليوم إلى عقد اجتماعي ‏يرسخ الانتماء، ويمنع القوى الخارجية من استغلال الشقوق ‏الاقتصادية والطائفية والسياسية‎.‎
والخلاصة أن روح أكتوبر ليست دعوة إلى الاكتفاء بالفخر، بل دعوة ‏إلى الانضباط والواقعية والعمل المشترك؛ فهي تذكّرنا بأن الأمة لا ‏تُصان حين تنكر أخطارها، ولا حين تستسلم لخطاب العجز، بل حين ‏تسمي الخطر باسمه، وتجمع المعرفة، وتبني القدرة، وتختار هدفًا ‏واضحًا، وتدير اختلافاتها من دون أن تسمح لها بهدم مصالحها الكبرى‎.‎
بعد 53 عامًا على العبور، يبقى الدرس الأصدق أن النصر لم يكن ‏معجزة خرجت من الفراغ؛ لقد كان ثمرة جنود تدربوا حتى صار الخوف ‏عندهم عادة قديمة نُسيت، ومهندسين ابتكروا حين خذلتهم كل الحلول ‏الجاهزة، ومجتمع صمد بصبر من لا يملك رفاهية اليأس، وقيادة خططت ‏في صمت، وعمق عربي ساند من دون أن يُطلب منه ذلك دائمًا. وكل من ‏يقرأ اليوم اسم جندي مجهول سقط على ضفاف القناة، أو يتأمل رسائل ‏الجبهة القديمة التي تتوارثها العائلات كأثمن أسرارها، يدرك أن هذه ‏الذكرى ليست مجرد تاريخ يُروى، بل دَين في أعناقنا جميعًا، دين لا ‏يُسدد بالخطابة، بل بأن نكون أهلًا لما ضحوا من أجله‎.‎
وإذا كانت الأخطار المحيطة بالعالم العربي اليوم مختلفة في شكلها عما ‏كانت عليه في 1973، فإن القدرة على مواجهتها تبدأ من المصدر نفسه ‏الذي بدأت منه المعجزة يومذاك: إنسان مؤمن بوطنه، ومؤسسة تتعلم من ‏أخطائها بلا مكابرة، وسياسة تعرف أولوياتها بوضوح، وتضامن يحوّل ‏الجغرافيا العربية الواسعة من مساحات متجاورة إلى قوة واحدة تحمي ‏الأمن والسيادة والمستقبل. فلتكن هذه الذكرى، كل عام، تذكيرًا بأن ‏العبور ممكن كلما توافرت له الإرادة، وأن أبناء هذه الأمة، حين ‏يريدون، لا يعرفون المستحيل طريقًا.‏

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى