مقالات

مسيحيو مصر لا يحتاجون أوصياء يا إبراهيم!

 

بقلم: مجدي طنطاوي

 

أفزعني حجم التهافت في مدينة كاملة على الشكر والعرفان والثناء لشخص لا يملك من الوزن بقدر ما يملك من الضجيج، لمجرد أنه أطلق عبارات معسولة مغطاة بدخان كاذب يستميل به عواطف شرفاء الوطن من الإخوة المسيحيين. دون أن يدرك كثيرون أن مثل هذا الخطاب ليس بريئًا، ولا محبًا، ولا وطنيًا، بل هو تفخيخ ناعم لمتانة العلاقات العميقة بين أبناء الوطن الواحد، وزرع متعمد لبذور فتنة وشق صف طالما فشل فيها الحاقدون حين واجهوا وعي المصريين الصلب.

 

الإخوة المسيحيون، أنتم لستم في حاجة إلى إطراء من أحد، ولا إلى شهادة حسن سلوك من إعلامي أو سياسي. هذه أرضكم، وهذا وطنكم شبرًا بشبر مع إخوانكم المسلمين، لا فضل لأحد على أحد، ولا منّة لأحد على أحد. مصر لم تكن يومًا ملك فئة، ولا رهينة لطائفة، بل كانت دائمًا وطنًا يتسع للجميع ويقوى بالجميع.

 

الخطاب الذي يغازل المسيحيين باعتبارهم “ملح مصر وأهلها الأصليين”، لا يبدو في ظاهره إلا ثناء، لكنه في حقيقته سكين ناعمة تقسم ولا تجمع، وتؤسس لثنائية قاتلة: هذا أصيل وهذا طارئ، هذا صاحب بيت وذاك ضيف. وهذه ثنائيات كاذبة لم تعرفها مصر إلا حين تسلل إليها العابثون الباحثون عن دور على حساب الوطن.

 

ومن زيف التاريخ، الذي يجب أن يقال بوضوح ودون مواربة: الإسلام حين دخل مصر لم يدخلها إبادة أو اقتلاعًا أو تغييرًا قسريًا للهوية. دخلت مصر وعدد سكانها يقارب المليونين، وخرج عمرو بن العاص ومن معه، وبقي التعداد كما هو. من اختار الإسلام دخل فيه، ومن اختار البقاء على المسيحية بقي عليها، لم يُكره أحد ولم يُطرد أحد، وهذه حقيقة تاريخية لا تحتاج دفاعًا بقدر ما تحتاج إنصافًا.

 

نحن شعب واحد لا يفصله خداع، ولا يشقه حاقد، ولا يستدرجه إعلامي مأزوم يبحث عن تصفيق. الدم الذي سال دفاعًا عن هذا الوطن سال من الجميع، والعرق الذي بنى هذا البلد سال من الجميع، والأرض التي نعيش عليها حملت أقدام الجميع.

 

فلا يستميلنكم خطاب مغازل باسم الدفاع عنكم وعن حقوقكم. فلا أحد يجرؤ على منحكم حقًا، لأن الحق أصيل لا يُمنح ولا يُنتزع. وإن كنتم غاضبين من مشهد هنا أو تمثيل هناك، فالغضب مفهوم، لكن تحويل الغضب إلى هوية موازية للوطن هو الخطر بعينه.

 

الوطن لا يقاس بلاعب في منتخب، ولا بمذيع على شاشة، بل يقاس بـ الاقتصاد، العدل، العلم، العمل، الكرامة الإنسانية، وقدرة الجميع على الشعور أنهم شركاء لا رعايا، وأنهم أصل لا استثناء.

 

دعونا نغلق الأبواب في وجه من يتاجرون بالمحبة ويفتحون نوافذ الفتنة. دعونا نحمي وعينا من العبارات اللامعة الخاوية، ونتمسك بالحقيقة البسيطة والعميقة: مصر قوية بوحدتها وغنية بتنوعها، ولا تحتاج من يفرقها باسم الحب، ولا من يشقها باسم الدفاع.

 

هذه مصر التي نعرفها، وهذا هو العهد الذي بيننا: أن نبقى شعبًا واحدًا، مختلفًا متكاملًا، لا غالب فيه ولا مغلوب، لا أصيل فيه ولا دخيل، بل وطن واحد يسع الجميع ويعلو بالجميع.

 

كل عام وأنتم، ومصر، بكل خير.

 

 

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى