أخبار مصر

عبد الراضي رضوان خلال ندوة رسالة السلام : السلام قمة القوة وركن الحياة .. دعوة قرآنية لا تقبل التأجيل | صور

الله هو السلام .. اسمٌ يقدس حياة البشر ويعلّمهم طريق المحبة .. ايات الرحمن تربي الإنسان علي التسامح لا الحروب

قال الدكتور عبد الراضي رضوان عميد كليه دار العلوم الأسبق ونائب رئيس مجلس امناء موسسة رسالة السلام بالقاهرة وما الإسلام إلا سلامٌ باسم مؤسسة رسالة السلام أحييكم بتحية الإسلام ( السلام عليكم ) ، وكذلك أحمل إليكم ( السلام ) من الراعي والمؤسس المفكر العربي علي محمد الشرفاء الحمادي العامل على السلام فكرا وعملا ، والذي اختار السلام اسما لمؤسسة تجسِّد ومضات عقل ونبضات قلب قد فاض بمحبة السلام.

جاء ذلك خلال ندوة مؤسسة رسالة السلام التي انعقدت تحت عنوان: «دعوة الله الناس إلى السلام.. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾»، برئاسة الكاتب الصحفي مجدي طنطاوي الأمين العام للمؤسسة، وإدارة الكاتب الصحفي الدكتور معتز صلاح الدين رئيس مجلس أمناء المؤسسة.

وتابع عبد الراضي رضوان : أما عن موضوع مداخلتي فلقد بحثتُ عن المدخل المناسب له فوجدتُني حائرا من أي المداخل علي أن أطل عليكم ؟
هل من مدخل التربية الإسلامية على السلام ؟
أم من مدخل أخلاق السلام ؟
أم أدخل من باب السلام ؟

الذي هو بالمناسبة عَلَمٌ علي أحد أبواب الحرم المكي قِبلة المسلمين في كل صلاة
وعبره يدخلون لإقامة الصلاة كل يوم ، ولأداء مناسك الحج والعمرة لمن استطاع إليه سبيلا .
إلى جانب أن السلام عنوان لركن ركين وجوهر راسخ أصيل وثابت بين تعاليم القرآن ومعطياته وتشريعاته ؟
أم من واجبي الدخول من مدخل جامع لكل ذلك وهو الأصوب والأنسب نظرا لمركزية السلام في القرآن التي جعلته كالنواة التي تدور حولها الإلكترونات و النيترونات أو كالشمس التي تدور حولها كواكب مجموعتها الشمسية .

وتابع رضوان : ولهذا الاعتبار ستأتي محاضرتنا في محورين لأجل سبر أغوار ذلك التكامل الذي اشتملت عليه مركزية السلام بالقرآن الكريم ، وهذان المحوران هما :

المحور الأول :
فريضة السلام في القرآن .
السلام بالقرآن ليس فحسب عنصرا أصيلا وجوهريا من عناصر التعاليم القرآنية المعرفية والأخلاقية و السلوكية والاجتماعية ، والعلاقات الإنسانية .
بل السلام في القرآن فريضة من الفرائض القرآنية التي جاءت مصحوبة بأركانها ، وأُسسها المعرفية ، وضوابطها و أخلاقياتها ، ووسائل إقرارها و تثبيتها .
لذلك فالسلام في القرآن ليس حالة بل أساس الحياة والأصل الأصيل فيها ، والخروج عن هذا الأساس بالحرب أو النزاع أو الشجار أو الخصام أو العداء هو الاستثناء المرفوض الذي يجب العدول عنه ، والعودة سريعا إلي ركن السلام .
وربما يكون عدد مرات ورود لفظة الحرب بالقرآن التي تكررت فحسب أربع مرات أبلغ دليل علي ما نقول بالمقارنة بكلمة السلام التي وردت بلفظها وحروفها 43 مرة ووردت بمشتقاتها ومضامينها وتعاريفها أكثر من 120 مرة .

وقال عبد الراضي رضوان : كما أن الدعوة إلي التزام السلام والانخراط في أجوائه كنمط حياة لم تأت بالقرآن في صيغة الحث أو التشجيع أو التحفيز أو الاستحباب أو الجواز أو الندب ، بل جاءت علي نحو حاسم وقاطع وصارم و جازم و مؤكَّد في صورة الأمر المُلزم دون أية استثناءات ( يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة ) سورة البقرة /٢٠٨ .
فلفظة (كافة) تعني الشمول لكل الحالات و المجتمعات و الأشخاص دون شروط أو استثناءات أو قيود .

ولأن حالة السلام هي الأصل الأصيل المنظِّم للحياة الإنسانية ، فإن القرآن يدعو الجميع إلى العودة إلي ذلك الأصل إن حدث ما يعكِّر صفوه من حالات نزاع أو اختلاف أو صراع . يقول القرآن :
( فإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل علي الله ) الأنفال / ٦١.
ويستوي هذا الفرض و التكليف القرآني بالتزام حياة السلام والمسالمة في حالة السلام الاجتماعي بين الأفراد والسلام الجماعي بين المجتمعات والأمم والحضارات والأديان .
فالمجتمع الإنساني بالقرآن قد تأسس علي مبدأ الأخوة الإنسانية بين بني البشر جميعا الذين هم أخوة لأب واحد هو آدم وأنثي واحدة هي حواء : ( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثي وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ) الحجرات/١٣.
ولذلك استقر عند المسلمين أن المسلم الحقيقي تعريفه بأنه : ( من سلم الناس من لسانه ويده ) ، فأولئك الناس جميعا هم أخوته الذين يجب مسالمتهم والعيش في سلام الأخوة والمحبه معهم .
ولا تنحصر مركزية السلام بالقرآن فيما سبق رصدُه واستخلاصه من دلائل ومقررات .

واضاف دكتور عبد الراضي رضوان قائلاً : بل إن مركزية السلام بالقرآن تقتحم علينا الأعين والعقول في آن واحد عندما نجد أن الله تعالي قد خصَّ نفسه في أسمائه الحسني باسم ( السلام ) في قوله تعالي مخبرا عن نفسه : ( هو الله الذي لا اله الإ هو الملك القدوس السلام ) الحشر /٢٣ ، ليجعل من العيش في السلام حياة تقديس لله الواحد إله السلام الذي لايدعو إلا إلى السلام.

كما أن الله قد جعل السلام هو علامة محبته ورضاه التي يخلعها علي أنبيائه وأوليائه و أصفيائه المختارين تكريما لهم فقال تعالي علي لسان المسيح عيسي : ( والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا ) مريم /٢٣ .

وهذا السلام جعله الله كذلك تحية لأهل الرضوان من عباده الفائزين بجنة الخلد والنعيم في اليوم الأخر : يقول القرآن 🙁 خالدين فيها بإذن ربهم تحيتهم فيها سلام ) إبراهيم /٢٣ .

المحور الثاني :
وسائل التربية القرآنية لإقرار العمل بالسلام وترسيخ أخلاقياته ومفهومه .

تمثل التربية في القرآن قيمة جوهرية فاعلة في تحويل القيم والأخلاق و السلوك من النظرية الي واقع الحياة التطبيقي العملي ، فهي القوة التي تجعل الإنسان مفتاحا للخير محبا للسلام مغلاقا للشر نابذاً للعنف والصراع
وقد جاء الأمر بالتربية على سبيل الإلزام في قوله تعالي بالقرآن : ( يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم و أهليكم نارا وقودها الناس والحجارة ) سورة التحريم /٦.
إذ فسَّر الإمام علي بن أبي طالب ذلك بقوله : أدِّبوهم و علِّموهم .
ولأن تلك التربية مسؤولية الوالدين الأُولي جاء الأمر القرآني بالإحسان إلى الوالدين والامتنان لهما علي ماقاما به من واجب التربية . قال تعالى : ( وقضي ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا ) الاسراء /٢٣-٢٤.
وقد تعددت وسائل التربية علي إقرار السلام والعمل به و تطبيق أخلاقياته بالقرآن ، و تنقسم هذه الوسائل التربوية مقترنا بها أخلاقياتها إلى نوعين :
النوع الأول :
الوسائل التربوية المانعة :

وهي الوسائل التي تمنع وتقيّد وتحجِّم الممارسات التي تعوق السلام أو تعطل تطبيقه أو تخرق الالتزام به أو تفتح الباب للصراع و النزاع ، وذلك مثل :
١- النهي عن العدوان والبغي بكافه أشكاله و دواعيه قال تعالي : ( وينهي عن الفحشاء والمنكر والبغي ) النحل/٩٠ ، ( ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين ) المائدة /٨٧ .
٢ – تحريم و تجريم قتل النفس الإنسانية ( ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ) الإسراء /٣٣ .
٣- منع التنازع وغلق أبواب الصراع والمشاحنات ( ولا تنازعوا فتفشلوا ) الأنفال /٤٦ .
٤ – تغليظ عقوبة الاعتداء بالقتل وجعلها النفس مقابل النفس .
٥ – الاعتبار بمصائر الأمم والحضارات التي قامت بالعدوان علي الآخرين ونازعتهم حريتهم وسلبت أمنهم وسلامتهم يقول القرآن : ( قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المجرمين ) النمل/ ٦٩ .
٦ – ضرب الأمثال التي هي بمثابة حِكَم مختصرة توضح عاقبة من يهدد حياة الآخرين وينزع عنهم استقرار السلام .قال تعالى : ( أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض ) سورة ص /٢٨ .

النوع الثاني : الوسائل التربوية الدافعة .

وهي الوسائل التي تدفع الإنسان إلي الانخراط في حياة السلم وترك النزاعات والشقاقات والصراعات
وذلك مثل :
١- القدوة الصالحة ، وهي النموذج الأخلاقي الرفيع الذي يكون الاقتداء به والسير علي هديه منجاة من الشرور وتحقيقا لمكارم الأخلاق وصالح الأعمال .
وفي الصدارة من هذه النماذج الرفيعة يكون الأنبياء الذين يعملون جاهدين علي إقرار السلام قولا وعملا ، وقد ظل النبي محمد رسول الإسلام في مكة ١٣ عاماً يتلقي الأذي والإهانة والمحاربة والعزل دون أن يقابل ذلك إلا بالسلام والمسالمة .
٢- الموعظة الحسنة : وهي عبارة عن الخطاب الإقناعي المستند إلي تحريك شعور المخاطب وتوجيه تعاطفه نحو الموضوع المستهدف القيام به ، وذلك مثل موعظة الأب لابنه والمعلم لطلابه والمسؤول الروحي لأتباعه ، وقد أورد القرآن الكريم في ذلك موعظة تربوية طويلة علي لسان لقمان الحكيم لابنه يعظه فيها ويدعوه الي التزام كل عمل صالح واجتناب كل عمل فاسد منكر .يقول القرآن على لسان لقمان : ( يابُني أقم الصلاة واأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور ) لقمان/١٧.
٣ – الصحبة الطيبة : فالصاحب ينفتح له قلب صاحبه ويستطيع بسهولة ويسر أن يقنعه بمكارم الأفعال ومحاسن الأخلاق وصالح الأعمال وفي مقدمتها السلام ، وضرب القرآن الكريم مثلا بالصحبة التي جرت بين الخضر العبد الصالح و موسي ، وكيف تعلَّم موسى النبي من الخضر من خلال هذه الصحبة .
٤ – القصص التربوية :
وذلك مثل قصة الملكة بلقيس مع النبي سليمان عليه السلام عندما سمع بها وبمملكتها فأرسل إليها خطابا يدعوها فيه إلى اتباعه والقدوم إليه ، ومع أن هذه المملكة كانت ذات قوة وبأس شديد تقدر معها على الحرب ومواجهة سليمان ، لكنها اختارت السلم والسلام والمسالمة والتعايش مع مملكة سليمان .
وكذلك قصه ابني أدم اللذين أراد أحدهما أن يقتل أخاه ومدَّ اليه يد الشر والعدوان ليقتله ، لكن الأخ الآخر رفض أن يبادله الرغبة في الصراع أو الاقتتال واختار السلم والسلام والمسالمة مع أخيه .
٥ – الحوار بالإقناع العقلي والحجج القوية : قال تعالي ( وجادلهم بالتي هي أحسن) النحل /١٢٥ ،وقال : (ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم ) سورة فصلت /٣٤ .
٦ – إطلاق الممارسات وتنمية الأخلاقيات التي تعمل علي تعظيم السلام وإقراره وفتح الأبواب أمام العمل به مثل :
أ-التعايش وفق مبدأ الأخوه الإنسانية فالجميع من الناس أخوة لأب واحد هو آدم وأم واحدة هي حواء . يقول الله في القرآن:
( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثي وجعلنكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن اكرمكم عند الله أتقاكم ) الحجرات /١٣ .
ب – تفعيل مبدأ التعددية الدينية و الثقافية و الأممية تفضيل وأن الجميع لهم اعتبارهم الإيماني والاخلاقي عند الله قال تعالي : ( لا إكراه في الدين ) البقرة / ٢٥٦ ، ليغلق تماما باب الحروب والصراعات الدينية التي تقوض دعائم السلام ، ثم ليفتح باب التعايش بين الأديان والأمم والحضارات في ظل تعددية الاختلاف التي تحفظ لكل صاحب هوية دينية رصيده الإيماني عند الله . قال تعالى :
( إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصاري والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرههم عند ربهم ولاخوف عليهم ولاهم يحزنون ) البقرة ٦٢ .
ج – الوفاء بالعهود والمواثيق السلمية والتعاونية لتثبيت دعائم السلام . يقول الله في القرآن : ( وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولا ) الصف/ ٣٤ ، ويقول ( ياأيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود ) المائدة /١ .
ح – العفو والصفح عن المخطئ والتزام السلام والتسامح معه رغم عدوانه . قال تعالى مطالباً بفريضة التسامح 🙁 فاصفح عنهم وقل سلام ) الزخرف /٨٩ .
خ – التعاون الإلزامي علي أعمال البر والخير والامتناع التام عن أعمال البغي والعدوان . يقول القرآن :
( وتعاونوا علي البر و التقوي ولا تعاونوا علي الإثم والعدوان ) المائدة /٢ .فهذا التعاون والعمل الجماعي أفضل الطرق للتقارب والتعايش وفتح أبواب القلوب والعقول على مصراعيها أمام السلام.

وبالختام لا أجد خيرا من السلام ومعه شكري ومحبتي لحسن استماعكم ليكون خاتمة لقائنا.

 

 

 

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى