
في اللحظات الفارقة من تاريخ الشعوب لا يكون الخطر الحقيقي في قوة العدو بقدر ما يكون في ضعف الوعي وانقسام الصفوف
فالأمم لا تسقط فجأة وإنما تتآكل من داخلها حين تقدم خلافاتها الصغيرة على مصيرها الكبير
واليوم يقف العالم العربي أمام لحظة شبيهة بما حدث قبل قرون طويلة حين تجاهلت قوى كبرى في العالم الإسلامي آنذاك الخطر القادم من الشرق ظنا منها أن النار ستأكل غيرها ولن تصل إليها
في مطلع القرن السابع الهجري ظهر المغول قوة عسكرية هائلة بقيادة جنكيز خان ثم امتدت جيوشهم كالسيل الجارف تجتاح البلاد وتدمر المدن وتسحق الدول بلا رحمة
وكانت أولى الضحايا الكبرى في العالم الإسلامي هي
الدولة الخوارزمية
التي كانت تمتد في مناطق واسعة من آسيا الوسطى وإيران
هذه الدولة الإسلامية القوية دخلت في صدام مباشر مع المغول فاجتاحها الجيش المغولي بوحشية غير مسبوقة
دمرت المدن
أحرقت الحواضر
وأبيدت أعداد هائلة من السكان
كان ذلك الزلزال التاريخي يحدث بينما العالم الإسلامي ممزق بين صراعات السلطة والنفوذ
وكانت
الدولة العباسية
في بغداد تعيش حالة من الضعف السياسي رغم بقاء هيبة الخلافة اسما
وبينما كانت الدولة الخوارزمية تسقط تحت سيوف المغول لم يتشكل موقف إسلامي موحد لرد الخطر القادم
بل ظن كثيرون أن سقوط تلك الدولة قد يخفف عنهم صراعاتهم السياسية أو يزيح منافسا قويا من الساحة
لكن التاريخ لا يرحم من يسيء قراءة اللحظة
فبعد أن انتهى المغول من تدمير الدولة الخوارزمية التفتوا غربا
ولم تعد أمامهم قوة حقيقية توقف تقدمهم
تقدموا مدينة بعد مدينة
ودولة بعد دولة
حتى وصلت جحافلهم إلى قلب العالم الإسلامي
وهنا بدأت المأساة الكبرى
في عام 1258 قاد القائد المغولي
هولاكو خان
جيشا ضخما نحو بغداد
عاصمة الخلافة ومركز الحضارة الإسلامية آنذاك
كان ذلك الحدث الذي سجله التاريخ باسم
سقوط بغداد 1258
حوصرت المدينة
انهارت الدفاعات
دخل المغول بغداد
ووقعت واحدة من أعظم الكوارث في تاريخ المنطقة
قتلت أعداد هائلة من السكان
أحرقت المكتبات
وألقيت كتب بيت الحكمة في نهر دجلة حتى قيل إن مياهه اسودت من حبر الكتب
وسقطت الخلافة العباسية التي استمرت أكثر من خمسة قرون
وهكذا تحولت النار التي ظن البعض أنها ستأكل خصومهم فقط إلى حريق التهم الجميع
إن هذا المشهد التاريخي ليس مجرد حكاية من الماضي
بل رسالة قاسية للأمم التي تنشغل بصراعاتها الصغيرة بينما الخطر الأكبر يقترب منها
فالتاريخ يعلمنا قاعدة لا تتغير
حين تنقسم الأمة يسهل ابتلاعها
وحين تتصارع القوى المتقاربة يربح العدو البعيد
ولهذا فإن اللحظة الراهنة في العالم العربي ليست مجرد خلافات سياسية عابرة
بل اختبار حقيقي للوعي التاريخي
إما أن تقدم الدول مصلحتها المشتركة على نزاعاتها الضيقة
وإما أن يعيد التاريخ نفسه بصور مختلفة
فالأمم التي لا تتعلم من سقوط بغداد
قد تستيقظ يوما لتجد بغداد أخرى تسقط من جديد ولكن بأسماء مختلفة وحدود مختلفة
والتاريخ كما نعلم لا يكرر نفسه حرفيا
لكنه يعاقب الأخطاء نفسها دائما بنفس القسوة




