
حين شاهدتُ ذلك الفيديو الذي يوثّق زيارة وفد مؤسسة رسالة السلام العالمية إلى إندونيسيا، لم تكن مجرد متابعة لحدث عابر، بل كانت لحظة شعورية عميقة… كأنني طائرٌ يحلّق في سماواتٍ أوسع من حدود الجغرافيا، تملؤه سكينةٌ تمتزج بفرحةٍ خالصة، فرحةٍ أشبه ببشائر نصرٍ يتشكّل في الواقع، لا في الأمنيات.
لم يكن المشهد عاديًا…
بل كان يحمل دلالة تتجاوز الصورة إلى المعنى، وتتجاوز الحدث إلى المنهج.
فما يقوم به رسل السلام، تحت مظلة مؤسسة رسالة السلام العالمية، بقيادة المفكر العربي الأستاذ علي محمد الشرفاء الحمادي، ليس نشاطًا تقليديًا، ولا تحركًا دعائيًا عابرًا، بل هو تأسيس لمسار فكري جديد… مسار يعيد الاعتبار للقرآن الكريم باعتباره المرجعية العليا، لا من خلال الشعارات، بل عبر التطبيق العملي، والانفتاح الإنساني، والتواصل الحضاري.
إن ما رأيناه في إندونيسيا لم يكن مجرد استقبال رسمي، أو كلمات ترحيب، بل كان تعبيرًا صادقًا عن تعطّش الشعوب لفهمٍ نقيٍّ للإسلام… فهمٍ لا يُقصي، ولا يُكفّر، ولا يُصادر، بل يحتضن كل فكر حرّ يسعى إلى القيم القرآنية العليا: العدل، الرحمة، الكرامة، والسلام.
وهنا تتجلى عظمة هذا المشروع…
فهو لا يبني جدرانًا، بل يفتح نوافذ.
ولا يفرض وصاية، بل يدعو إلى وعي.
ولا يعيد إنتاج الخلاف، بل يسعى إلى بيان ما اختلفوا فيه، كما جاء في كتاب الله.
لقد شعرتُ، وأنا أتابع هذا المشهد، أن ما يجري ليس مجرد جهد بشري، بل هو اصطفافٌ لقيمٍ أرادها الله أن ترى النور على أيدي مخلصين… أناسٍ فهموا أن الدين ليس ساحة صراع، بل منهج حياة، وأن القرآن لم يُنزّل ليُختلف عليه، بل ليُحتكم إليه.
إن هذه الخطوات، في تقديري، تمثل بداية تحوّل حقيقي…
تحوّل من حالة الجمود إلى الحركة،
ومن التنازع إلى التكامل،
ومن الانغلاق إلى الانفتاح.
وإذا كانت الأمم تُقاس بمشروعاتها الكبرى، فإن هذا المشروع – القائم على إعادة تقديم الإسلام من خلال القرآن وحده، بمنهج علمي منضبط – يُعد من أجرأ وأصدق ما طُرح في العصر الحديث.
إن الإنسان، كما أراده الله، كائنٌ مكرّم…
ولا تتحقق هذه الكرامة إلا حين يتحرر من الخوف، ومن الجهل، ومن التبعية العمياء، ليعيش وفق منظومة القيم التي أرساها القرآن:
حرية في الاعتقاد، وعدل في التعامل، ورحمة في العلاقات، وسلام في الوجود.
ومن هنا، فإن ما نشهده اليوم هو – في جوهره – استجابة عملية لنداء قرآني قديم متجدد:
أن يعيش الإنسان إنسانًا… لا تابعًا، ولا خصمًا، بل شريكًا في عمارة الأرض.
وإنني، من موقعي، لا أملك إلا أن أُسجّل هذه الشهادة:
أن ما رأيته ليس مجرد نجاحٍ لمؤسسة، بل بارقة أملٍ لأمة، وربما للعالم بأسره…
إذا ما أُحسن فهمه، وتوسّع تطبيقه، واستمر بإخلاص.
إنها ليست رحلة إلى إندونيسيا…
بل بداية طريق… قد يصل بالإنسان إلى ذاته،
ويعيده إلى فطرته،
ويقرّبه من الغاية التي خُلق من أجلها.




