مقالات

الباحث أحمد شعبان محمد يكتب :الاستخلاف في الأرض.. تكليف أم تشريف؟

في إطار رسالة مؤسسة رسالة السلام العالمية بقيادة المفكر العربي الأستاذ علي محمد الشرفاء الحمادي، يثور سؤال مهم يتعلق بمكانة الإنسان في هذا الكون، وبالدور الذي أراده الله له على هذه الأرض: هل الاستخلاف تشريف منحه الله للإنسان فحسب، أم أنه تكليف ومسؤولية قبل أن يكون امتيازًا ومكانة؟

لقد شاع بين الناس الحديث عن تكريم الله للإنسان، وعن المكانة التي منحه إياها بين مخلوقاته، لكن كثيرًا من الناس يغفلون عن الوجه الآخر للقضية، وهو حجم المسؤولية التي تترتب على هذا التكريم.

يقول الله سبحانه:

﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾.

إن هذه الآية لا تتحدث عن مخلوق يعيش على الأرض فقط، بل عن مخلوق أُنيطت به مهمة، وحُمّل أمانة، وأصبح مسؤولًا عن إعمار الأرض وإصلاحها.

فالاستخلاف في جوهره ليس لقبًا شرفيًا، بل وظيفة حضارية.

إنه دعوة للعمل لا للكسل.

ودعوة للبناء لا للهدم.

ودعوة للإصلاح لا للإفساد.

ولهذا جاءت آيات القرآن لتربط بين الإيمان والعمل، وبين العقيدة والسلوك، وبين العبادة وعمارة الأرض.

فالإنسان لم يُخلق ليعيش عالة على غيره، ولم يُمنح العقل ليعطل التفكير، ولم تُسخر له الأرض وما فيها ليهملها أو يفسدها، بل ليكتشف قوانينها، وينتفع بخيراتها، ويوظف ما فيها لصالح البشرية.

ويقول سبحانه:

﴿هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾.

أي طلب منكم إعمارها، وجعلكم مسؤولين عن تنميتها واستثمار مواردها وتحقيق الخير للناس فيها.

ومن هنا يصبح العلم جزءًا من الاستخلاف.

والعمل جزءًا من الاستخلاف.

والعدل جزءًا من الاستخلاف.

وحفظ الحقوق جزءًا من الاستخلاف.

بل إن كل جهد يبذله الإنسان لإصلاح الحياة وتحقيق الخير للناس يدخل في مفهوم الاستخلاف الذي أراده الله لعباده.

لكن التاريخ الإنساني يكشف لنا جانبًا آخر من القضية.

فكثير من الناس فهموا الاستخلاف باعتباره تشريفًا يمنحهم حق السيطرة على الآخرين، بينما أغفلوا أنه تكليف يفرض عليهم خدمة الناس والقيام بمسؤولياتهم تجاه المجتمع.

ولهذا انتشرت صور الظلم والفساد والاستبداد عبر العصور، حين تحولت السلطة من أمانة إلى امتياز، ومن مسؤولية إلى وسيلة للهيمنة.

بينما يبين القرآن أن المستخلف الحقيقي هو من يؤدي الأمانة، ويحكم بالعدل، ويحفظ الحقوق، ويمنع الفساد.

ولذلك يقرر القرآن قاعدة حاسمة في قوله تعالى:

﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾.

فإذا كان الاستخلاف يعني الإصلاح، فإن الإفساد يعد خيانة لمقتضى هذا الاستخلاف.

وإذا كان الاستخلاف يعني البناء، فإن الهدم خروج عن الغاية التي خُلق الإنسان من أجلها.

ومن يتأمل واقع الأمم يجد أن الحضارات التي أدركت معنى المسؤولية تقدمت وازدهرت، لأنها تعاملت مع ما لديها من إمكانات باعتبارها أمانة يجب حسن إدارتها.

أما الأمم التي أهملت المسؤولية واكتفت بالشعارات فقد تراجعت مهما امتلكت من ثروات وإمكانات.

وهنا تتجلى العلاقة الوثيقة بين الاستخلاف والأمانة.

فالقرآن يبين أن الإنسان حمل مسؤولية عظيمة، وأن نجاحه أو فشله يقاس بمدى وفائه بتلك الأمانة.

فليس السؤال: ماذا نملك؟

بل السؤال: كيف نستخدم ما نملك؟

وليس السؤال: كم أوتينا من قوة؟

بل السؤال: هل استخدمنا هذه القوة في الإصلاح أم في الإفساد؟

إن الاستخلاف ليس تشريفًا مجردًا يجعل الإنسان يتباهى بمكانته بين المخلوقات، وإنما هو تكليف دائم يدعوه إلى العمل والإبداع وتحمل المسؤولية.

فكل معلم يربي الأجيال هو مستخلف.

وكل قاضٍ يعدل بين الناس هو مستخلف.

وكل عالم يضيف معرفة نافعة للبشرية هو مستخلف.

وكل عامل يؤدي عمله بإخلاص هو مستخلف.

وكل مسؤول يحفظ حقوق الناس ويؤدي واجبه بأمانة هو مستخلف.

ومن هنا جاءت رسالة مؤسسة رسالة السلام العالمية بقيادة المفكر العربي الأستاذ علي محمد الشرفاء الحمادي لتؤكد أن الإنسان خُلق ليكون عنصر بناء لا عنصر هدم، وأن أعظم صور العبادة هي أداء الأمانة التي حملها الإنسان في هذه الحياة.

فنهضة الأمم لا تبدأ من كثرة الموارد، وإنما من الشعور بالمسؤولية تجاه تلك الموارد.

ولا تبدأ من الشعارات الكبيرة، وإنما من أداء الواجبات الصغيرة بإخلاص وأمانة.

وعندما يدرك الإنسان أن الاستخلاف تكليف قبل أن يكون تشريفًا، ومسؤولية قبل أن يكون امتيازًا، يتحول إلى قوة بناء وإصلاح، ويصبح جديرًا بالمكانة التي منحه الله إياها في الأرض.

وهكذا يظل الاستخلاف في الأرض مشروعًا مفتوحًا للعمل والعلم والعطاء، لا وسامًا للتفاخر، ولا ذريعة للهيمنة، بل أمانة كبرى يسأل الله الإنسان عنها يوم يلقاه.

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى