تقارير وملفاتمقالات

مجدى طنطاوى يكتب الفرحة ليست هدفا عابرا بل مشروع دولة

ما أجمل الفرحة وما أحوجنا إليها في زمن ازدحمت فيه الهموم وضاقت فيه صدور الناس تحت أعباء الحياة فالفرحة ليست ترفا وليست لحظة عابرة نمر بها ثم ننساها بل هي طاقة تعيد للإنسان ثقته بنفسه ووطنه ومستقبله
ما حدث أمس بعد فوز المنتخب المصري لم يكن مجرد انتصار في مباراة لكرة القدم كان مشهدا أكبر من الرياضة رأينا المصريين يحتفلون في كل مكان ورأينا الأشقاء العرب يشاركونهم الفرحة وكأنهم يحتفلون بانتصار يخصهم أيضا وذلك يؤكد حقيقة لا تحتاج إلى إثبات وهي أن مصر ليست بلدا ككل البلدان إنها وطن أم يسكن في وجدان العرب قبل خرائطهم ويحتل مكانة خاصة في قلوبهم مهما اختلفت الظروف والسياسات
لكن السؤال الذي يجب أن نتوقف أمامه هو هل سنكتفي بالاحتفال ثم نطوي الصفحة أم نحسن استثمار هذه اللحظة
فالفرحة حين تتكرر تصنع الأمل والأمل يصنع الانتماء والانتماء يبني الأوطان أما إذا تركناها تمر دون أن نبني عليها فإننا نهدر فرصة نادرة لإعادة ترميم النفوس وتقوية الجسور بين الناس
أليس من الحكمة أن تتحول هذه الروح الإيجابية إلى مشروع يعيد الدفء إلى العلاقات الإنسانية داخل مصر وخارجها وأن تكون بداية لمصالحات اجتماعية وثقافية وإعلامية تعيد للناس الثقة بأن القادم أفضل
لقد أثبتت الرياضة مرة أخرى أنها قادرة على أن تفعل في ساعات ما قد تعجز عنه سنوات من الخلافات والخطابات لأنها تخاطب القلب قبل العقل وتجمع الناس على هدف واحد دون تمييز أو انقسام
ومن هنا يثور سؤال آخر لا يقل أهمية هل آن الأوان أن يفهم كل مسؤول في موقعه وليس حسام حسن وحده أن مهمته الأولى هي إسعاد الناس لا زيادة أحزانهم وأن النجاح الحقيقي لأي مسؤول لا يقاس بعدد القرارات التي يصدرها بل بعدد الابتسامات التي يعيدها إلى وجوه المواطنين
إن تفريج كربات الناس واجب لا خلاف عليه لكنه ليس نهاية الطريق فهناك مشروع أكبر يحتاج إلى رؤية وإرادة مشروع يجعل الإنسان محور كل قرار ويجعل الأمل جزءا من السياسات ويحول الثقة إلى منهج عمل
أما إذا بقينا نعيش في حالة من تشابك الخيوط وتداخل الملفات حتى أصبحت الأمور أشبه بحسبة وبرمة لا يعرف أحد كيف بدأت ولا كيف تنتهي فإننا سنظل ندور في الحلقة نفسها بينما العالم من حولنا يمضي إلى الأمام
إن الشعوب لا تعيش بالخبز وحده ولا بالقرارات وحدها بل تعيش أيضا بالأمل وبالكرامة وبالشعور أن هناك من يعمل من أجل راحتها وسعادتها
ولعل أجمل ما قاله مشهد الأمس إن المصريين لا يزالون قادرين على الفرح وإن العرب لا يزالون يحملون لمصر مكانة خاصة في قلوبهم وهذه ثروة معنوية لا تقل قيمة عن أي ثروة اقتصادية
فهل نحسن استثمارها أم نتركها تمر كما مرت فرص كثيرة من قبل
إن صناعة الفرحة ليست مسؤولية لاعب أو مدرب أو فنان وحده بل هي مسؤولية كل من يتولى موقعا عاما لأن الأوطان التي تعرف كيف تسعد شعوبها هي الأوطان التي تعرف كيف تبني مستقبلها

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى