
د. محمد محسن رمضان
مستشار الامن السيبراني والذكاء الاصطناعي والمشرف على وحدة الذكاء الاصطناعي والامن السيراني بمؤسسة رسالة السلام العالمية
رئيس وحدة الذكاء الاصطناعي والامن السيبراني بمركز العرب للأبحاث والدراسات
في أكتوبر 1973 كان العبور فوق قناة السويس، أما في حروب اليوم فقد يكون العبور من بوابة رقمية لا تُرى بالعين.. ساحة المعركة لم تعد أرضًا وسماءً وبحرًا فقط، بل أصبحت أيضًا شبكات وبيانات وخوارزميات وعقولًا بشرية.
من عبور القناة إلى اختراق الفضاء السيبراني.. كيف تغيّرت قواعد الحرب في عصر الذكاء الاصطناعي؟
أكتوبر 1973.. عندما انتصر الإنسان على التحصينات.. واليوم أصبحت المعركة على البيانات والعقول والخوارزميات
مع حلول ذكرى نصر أكتوبر المجيد، لا نستعيد فقط واحدة من أهم المحطات في التاريخ العسكري المصري، وإنما نستعيد أيضًا درسًا استراتيجيًا بالغ الأهمية:
أن التفوق لا يرتبط بالسلاح وحده، وإنما يرتبط بالإنسان، والتخطيط، وإدارة المعلومات، والقدرة على ابتكار الحلول وتغيير قواعد المواجهة.
ففي السادس من أكتوبر 1973، واجهت القوات المسلحة المصرية تحديات عسكرية وهندسية بالغة التعقيد، ونجحت في عبور قناة السويس واقتحام خط بارليف، ضمن عملية عسكرية اعتمدت على التخطيط والإعداد والخداع الاستراتيجي والتنسيق بين مختلف عناصر القوات. وتوثق وزارة الدفاع المصرية أن التخطيط الاستراتيجي لحرب أكتوبر شمل إعداد فكر استخدام القوات، وخطط العمليات، والتعاون الاستراتيجي، واختبار الخطط ومراجعتها.
لكن إذا انتقلنا من أكتوبر 1973 إلى عام 2026، سنجد أن شكل الحرب تغير بصورة جذرية، بينما بقي جوهرها قائمًا على التفوق في المعلومات والقرار والقدرة على المبادرة.
من الجندي على خط المواجهة إلى الجندي المتصل بالشبكة
الحرب التقليدية كانت تعتمد بصورة أساسية على القوات البرية والجوية والبحرية، وعلى الأسلحة والمعدات والمواقع الجغرافية.
أما اليوم، فقد أصبحت ساحة العمليات أكثر اتساعًا لتشمل البر والبحر والجو والفضاء والفضاء السيبراني والمجال المعلوماتي.
وهذا التحول يعني أن دولة ما قد تتعرض لتهديد أمني دون أن تعبر دبابة واحدة حدودها، إذ يمكن أن تبدأ المواجهة باستهداف شبكة اتصالات، أو تعطيل خدمة رقمية حيوية، أو اختراق منظومة معلومات، أو تنفيذ حملة تضليل واسعة، أو محاولة التأثير في وعي الجمهور.
وهنا تظهر أهمية الأمن السيبراني باعتباره جزءًا من منظومة الأمن القومي، وليس مجرد قضية تقنية تخص أجهزة الكمبيوتر والشبكات.
السلاح الجديد.. البيانات
في حروب الماضي كانت المعلومات العسكرية موردًا شديد الأهمية، ولذلك كان الحفاظ على سرية الخطط والتحركات عنصرًا أساسيًا من عناصر النجاح.
أما في العصر الرقمي، فقد أصبحت البيانات نفسها أحد أهم عناصر القوة الاستراتيجية.
المعلومات القادمة من الأقمار الصناعية، والرادارات، والطائرات المسيّرة، والكاميرات، وأجهزة الاستشعار، وشبكات الاتصالات، وغيرها من المصادر، يمكن أن تنتج كميات هائلة من البيانات التي يصعب على الإنسان تحليلها بالسرعة المطلوبة وحده.
وهنا يأتي الذكاء الاصطناعي.
فالذكاء الاصطناعي يستطيع المساعدة في تحليل كميات ضخمة من البيانات، واكتشاف الأنماط، ودعم الوعي بالموقف، والمساعدة في اتخاذ القرار، وهو ما يفسر تزايد الاهتمام العسكري العالمي بتقنيات الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات. وتشير وثائق الناتو إلى أن الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة يمكن أن يدعما سرعة وجودة دورة الملاحظة والتوجيه واتخاذ القرار والتنفيذ.
الطائرات المسيّرة.. عندما أصبحت السماء أكثر ازدحامًا
من أبرز مظاهر التحول في طبيعة الحروب الحديثة الانتشار المتزايد للطائرات والأنظمة غير المأهولة.
لم تعد الطائرات المسيّرة مجرد أدوات للاستطلاع، بل أصبحت جزءًا من منظومات المراقبة والاستهداف والدعم العملياتي، كما أصبحت الدول مطالبة بتطوير قدرات متقدمة لاكتشافها وتتبعها والتعامل معها.
وفي عام 2026، أعلنت الناتو مبادرات جديدة لمواجهة تهديدات الطائرات المسيّرة، مع التركيز على استخدام الذكاء الاصطناعي لدمج بيانات الرادار والكاميرات وأجهزة الاستشعار المختلفة لتكوين صورة تشغيلية أكثر دقة وسرعة.
وهذا يعكس قاعدة جديدة في الصراع الحديث:
من يمتلك القدرة على الاستشعار والتحليل واتخاذ القرار بسرعة، يمتلك جزءًا مهمًا من التفوق العملياتي.
الحرب السيبرانية.. معركة بلا دخان
أحد أخطر التحولات أن بعض العمليات العدائية الحديثة يمكن أن تحدث بعيدًا عن ميادين القتال التقليدية.
الهجوم السيبراني قد يستهدف شبكات الاتصالات، أو أنظمة المعلومات، أو البنية التحتية الرقمية، أو المؤسسات الحيوية، بهدف تعطيل الخدمات أو سرقة المعلومات أو إرباك العمليات.
ولهذا أصبحت المرونة السيبرانية Cyber Resilience عنصرًا أساسيًا في الأمن الحديث؛ لأن القضية لم تعد فقط منع الاختراق، وإنما القدرة أيضًا على اكتشاف الهجوم، واحتوائه، واستعادة الخدمات، واستمرار العمل تحت الضغط.
ومن هنا فإن حماية البنية التحتية الرقمية للدولة أصبحت جزءًا من حماية قدرتها على العمل في الأزمات.
المعركة انتقلت أيضًا إلى عقول البشر
هناك بعد آخر لا يقل خطورة عن الهجوم السيبراني، وهو الحرب المعلوماتية والتأثير في الوعي.
فالمعلومة المضللة يمكن أن تنتشر خلال دقائق إلى ملايين الأشخاص، ومع الذكاء الاصطناعي التوليدي أصبح من الممكن إنتاج صور ومقاطع صوتية وفيديوهات مزيفة بدرجات متقدمة من الإقناع.
وهنا يظهر خطر الـ Deepfake، ليس باعتباره مجرد تكنولوجيا لتزييف الصور والفيديو، وإنما باعتباره أداة يمكن إساءة استخدامها للتشويش على المعلومات وإضعاف الثقة وإحداث حالة من الارتباك.
وتشير الناتو إلى أن تطور الذكاء الاصطناعي وتقنيات التزييف العميق يمكن أن يزيد من تأثير عمليات التلاعب بالمعلومات ويؤثر في الثقة في الاتصالات والمصادر.
وهنا أؤكد أن حماية الأمن القومي في العصر الرقمي تبدأ أيضًا من حماية وعي المواطن.
من الخداع العسكري إلى الخداع الرقمي
من دروس حرب أكتوبر أن الخداع والتمويه كانا جزءًا من منظومة التخطيط العسكري، بهدف الحفاظ على عنصر المفاجأة وإرباك حسابات الخصم. وتعرض وثائق وزارة الدفاع المصرية تفاصيل عن استخدام الخداع والتمويه ضمن الإعداد للعمليات في أكتوبر 1973.
أما اليوم، فقد انتقل جزء من هذا المفهوم إلى البيئة الرقمية.
لكن الفارق أن أدوات التضليل الحديثة تستطيع العمل على نطاق أوسع وبسرعة أكبر، وقد تستهدف الإنسان مباشرة من خلال ما يراه ويسمعه ويقرأه على هاتفه.
ولهذا أصبح من الضروري أن نمتلك مناعة رقمية ومناعة معرفية، لا تقل أهمية عن امتلاك الأنظمة التقنية المتقدمة.
الذكاء الاصطناعي لن يلغي دور الإنسان
رغم التطور الهائل في تقنيات الذكاء الاصطناعي، فإن الحديث عن الحروب المستقبلية لا يجب أن يتحول إلى تصور أن الآلة أصبحت بديلًا كاملًا عن الإنسان.
الأكثر واقعية هو أن نشهد توسعًا في التعاون بين الإنسان والآلة؛ فالآلة تستطيع تحليل البيانات بسرعة هائلة، بينما تظل القرارات الاستراتيجية مرتبطة بالسياق والأهداف والقواعد والقيم والمسؤولية البشرية.
ولهذا تتجه الاستراتيجيات الرقمية الحديثة إلى الجمع بين البيانات والذكاء الاصطناعي والقدرات البشرية، مع التأكيد على أمن الأنظمة ومرونتها وقابليتها للتشغيل البيني.
درس أكتوبر للمستقبل
إن أهم رسالة نستطيع استخلاصها من ذكرى نصر أكتوبر ليست فقط أن الحروب تتغير، وإنما أن الاستعداد هو الذي يصنع القدرة على مواجهة التغيير.
ففي عام 1973 كانت هناك تحديات عسكرية وهندسية واستراتيجية هائلة، وكان التعامل معها يتطلب تخطيطًا دقيقًا وإرادة وقدرة على الابتكار.
واليوم، أمامنا تحديات جديدة: الأمن السيبراني، الذكاء الاصطناعي، الطائرات المسيّرة، الأقمار الصناعية، الحوسبة المتقدمة، الهجمات المعلوماتية، حماية البيانات، وتأمين البنية التحتية الرقمية.
ومن ثم فإن بناء القوة في القرن الحادي والعشرين لا يعتمد فقط على امتلاك المعدات، وإنما على امتلاك المعرفة، وتأهيل الإنسان، وتطوير البحث العلمي، وتأمين التكنولوجيا، وبناء منظومات رقمية قادرة على الصمود أمام التهديدات المتغيرة.
أكتوبر.. انتصار يتجدد مع كل عصر
في ذكرى نصر أكتوبر المجيد، يجب أن ندرك أن التكنولوجيا لا تغير أدوات الحرب فقط، بل تغير طبيعة التفكير في الأمن والدفاع.
في أكتوبر 1973 كان العبور عبورًا لقناة السويس.. أما في عصر الذكاء الاصطناعي، فالعبور الحقيقي هو عبور إلى امتلاك المعرفة والتكنولوجيا والقدرة على حماية البيانات والعقول والبنية التحتية الرقمية.
وإذا كان جنود أكتوبر قد أثبتوا أن الإرادة والعلم والتخطيط تستطيع تغيير موازين المعركة، فإن مسؤوليتنا اليوم هي أن نواصل المسيرة في ميادين جديدة، وأن نجعل من العلم والتكنولوجيا والوعي والأمن السيبراني خطوط دفاع متقدمة عن الوطن.
تحية إجلال لشهداء مصر وأبطال قواتنا المسلحة.. وتحيا مصر دائمًا قوية، بجيشها، وعلمائها، وشبابها، وقدرتها على صناعة المستقبل




