أخبار مصر

أكتوبر في ذاكرتي.. من فرحة النصر إلى رسالة السلام

هناك ذكريات لا يمر عليها الزمن، مهما ابتعدت السنوات، لأنها لم تكن مجرد أحداث عشناها، بل مشاعر سكنت فينا وأصبحت جزءًا من تكويننا.

ومن بين تلك الذكريات، تظل حرب أكتوبر 1973 واحدة من أكثر المحطات رسوخًا في ذاكرتي.

كنت في ذلك الوقت أعيش في الدقي بالقاهرة، وكنت شابًا في السنوات الأولى من دراستي الجامعية. كنت أردني الجنسية، فلسطيني الأصل، لكنني في تلك الأيام لم أشعر أن هناك حدودًا تفصل بين مشاعري تجاه الأردن وفلسطين ومصر. كان الوطن العربي في وجداننا مساحة واحدة، وكانت آلامه وآماله مشتركة.

كان للشباب في تلك المرحلة إحساس مختلف بالوطن، وبالكرامة، وبالمستقبل. كانت الوطنية تسكن فينا، ولم تكن كلمة نرددها في المناسبات، بل شعورًا حقيقيًا يتحرك في القلب.

كنت شابًا قوي البنية، أتمتع بلياقة بدنية عالية، وأمارس الرياضة، ولذلك عندما اندلعت الحرب، لم أكن أريد أن أكون مجرد متفرج على ما يحدث؛ كنت أتمنى من أعماق قلبي أن أكون مع الجيش المصري الباسل في الجبهة.

كنت أتخيل نفسي واحدًا من أولئك الجنود الذين عبروا قناة السويس، وواجهوا الخوف، واقتحموا خط بارليف، وصنعوا لحظة من أكثر لحظات التاريخ العربي تأثيرًا في نفسي.

كان ذلك حماس الشباب، لكنه لم يكن حماسًا فارغًا.

كان حبًا لمصر، وإيمانًا بالعروبة، وشعورًا بأن كرامة الإنسان العربي واحدة.

وحين جاء النصر، كنت أطير من الفرح.

لم أشعر أنني أمام انتصار جيش لا أنتمي إليه؛ شعرت أنني أمام انتصار يمسني شخصيًا. كنت أفرح لفرح المصريين وكأنني واحد منهم، وأشعر بالفخر بكل جندي مصري عبر القناة.

واليوم، بعد مرور أكثر من نصف قرن، عندما أعود بذاكرتي إلى تلك الأيام، أدرك أن أجمل ما بقي منها ليس فقط مشهد الانتصار العسكري، وإنما ذلك اليقين الذي غرسه أكتوبر في نفوسنا: أن الخوف يمكن أن يُهزم، وأن الإرادة تستطيع أن تصنع المستحيل.

وهنا أجد نفسي أستحضر ما يكتبه الصديق العزيز مجدي طنطاوي عن نصر أكتوبر، وعن اللحظة التي يعلو فيها اليقين على الخوف. فالنصر لم يكن مجرد عبور لقناة السويس، وإنما كان عبورًا نفسيًا من الإحباط إلى الثقة، ومن الشعور بالعجز إلى الإيمان بالقدرة.

لكنني اليوم أنظر إلى أكتوبر بعين مختلفة عن عين ذلك الشاب الذي كنت عليه.

فالشاب الذي كنتُه كان يحلم بأن يحمل السلاح دفاعًا عن وطن عربي شقيق، أما الإنسان الذي أصبحت عليه اليوم فأرى أن أعظم انتصار هو أن نستطيع أن نحول قوة النصر إلى قوة للبناء والسلام.

وهنا تلتقي ذكرى أكتوبر مع ما أؤمن به اليوم من أفكار مؤسسة رسالة السلام العالمية، المستندة إلى الرؤية الفكرية للأستاذ علي محمد الشرفاء الحمادي، التي تركز على استعادة قيم السلام والرحمة والعدل، وعلى جعل الإنسان محورًا لبناء المجتمعات، بعيدًا عن الكراهية والصراع والاقتتال.

فإذا كان أكتوبر قد علّمنا أن اليقين قادر على هزيمة الخوف، فإن رسالة السلام تعلمنا أن اليقين بقيمة الإنسان قادر على هزيمة الكراهية.

وإذا كان الجندي المصري قد عبر قناة السويس متحديًا الحاجز والخوف، فإن مسؤوليتنا اليوم أن نعبر حواجز أخرى: حواجز التعصب، والفرقة، والكراهية، والجهل، وأن نبني جسورًا بين الإنسان وأخيه الإنسان.

لقد كان حلمي وأنا شاب أن أكون جنديًا على الجبهة.

أما اليوم، فقد تغيرت الجبهة.

لم تعد الجبهة التي أراها اليوم هي جبهة القتال فقط، وإنما هي جبهة الإنسان: جبهة العلم، والأخلاق، والوعي، والعدالة، والسلام.

فالجندي يحمي وطنه بسلاحه، والمعلم يحميه بعلمه، والباحث يحميه بالمعرفة، والمثقف يحميه بالوعي، والإنسان الصالح يحمي مجتمعه عندما ينشر الخير والمحبة بدل الكراهية.

ومن هنا أرى أن الاحتفال بذكرى أكتوبر لا ينبغي أن يكون مجرد استعادة لصور الماضي، وإنما فرصة لنسأل أنفسنا: ماذا تعلمنا من ذلك النصر؟ وكيف نحول دروسه إلى مشروع للمستقبل؟

لقد انتصر الجيش المصري لأنه امتلك الإرادة واليقين.

ونحن اليوم بحاجة إلى الإرادة واليقين نفسيهما، ولكن في معارك أخرى: معركة التنمية، ومعركة العلم، ومعركة الأخلاق، ومعركة حماية الإنسان، ومعركة السلام.

وهذه هي النقطة التي أجد فيها صلة عميقة بين ذكرياتي عن أكتوبر وبين رسالة السلام التي أؤمن بها اليوم.

فالسلام الذي نقصده ليس استسلامًا، وليس ضعفًا، وليس نسيانًا للحقوق أو الكرامة. وإنما هو سلام يقوم على العدل، واحترام الإنسان، ورفض الظلم، وإعلاء قيمة الحياة.

لقد كنت يومًا شابًا أتمنى أن أكون جنديًا مصريًا على الجبهة.

واليوم، وبعد أن قطعت سنوات طويلة من العمر، ما زلت أشعر بالفخر بذلك الشاب.

لكني أقول له اليوم:

لقد كبرتَ يا هاشم، وتغيرت أدواتك، لكن لم تتغير رسالتك.

كنت تريد أن تدافع عن الكرامة بالسلاح، وأصبحت اليوم تؤمن بأن الدفاع عن كرامة الإنسان يمكن أن يكون بالكلمة والعلم والمعرفة والسلام

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى