مقالات

أحمد شعبان يكتب : قراءة في فيديو: «الباحث المفكر الأستاذ علي محمد الشرفاء الحمادي يقدم جوهر الإسلام ودوره في صناعة السلام العالمي»

يضع الفيديو الصادر عن مؤسسة رسالة السلام العالمية المشاهد أمام سؤال يتجاوز التعريف التقليدي للإسلام: ماذا يصنع الدين الإسلامي في حياة الإنسان وفي علاقته بالآخر؟

فالحديث عن جوهر الإسلام لا يتوقف عند الانتساب أو الشعائر، وإنما ينتقل إلى ما ينتجه هذا الإسلام من سلوك وقيم وعلاقات إنسانية. ومن هنا تصبح الرحمة والعدل والسلام وحرية الإنسان واحترام حياته وكرامته علامات عملية تكشف حقيقة الالتزام برسالة القرآن.

وهذه الفكرة تتوافق مع الخطاب الذي تقدمه مؤسسة رسالة السلام العالمية في عرضها لمشروع الأستاذ علي محمد الشرفاء الحمادي، حيث تؤكد أن الإسلام لا يقوم على العدوان، وأن القتال مرتبط برد الاعتداء، مستندة إلى قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا﴾، وأن رسالة الإسلام الأصلية تقوم على الرحمة والعدل والسلام.

من الإسلام بوصفه هوية إلى الإسلام بوصفه قيمة

أبرز ما يمكن قراءته في أطروحة الفيديو أن المشكلة ليست في اسم الإسلام، وإنما في المسافة بين الاسم والممارسة.

فقد يحمل الإنسان هوية إسلامية، بينما تمتلئ حياته بالخصومة والعدوان والكراهية والظلم. وهنا يطرح الفيديو، ضمنيًا، معيارًا أكثر دقة: الإسلام لا يُقاس بما نقوله عنه، بل بما يحققه في الإنسان والمجتمع.

فإذا كان القرآن يقرر أن الرسول أُرسل ﴿رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾، فإن الرحمة ليست فضيلة هامشية، وإنما مقصد يحدد اتجاه الرسالة كلها. وإذا أمر بالعدل ونهى عن الاعتداء، فإن السلام يصبح نتيجة طبيعية لمنظومة متكاملة من القيم، وليس مجرد شعار يرفع عند انتهاء الحروب.

السلام لا يبدأ من موائد المفاوضات

وهنا تكمن أهمية الربط الذي يقدمه العنوان بين جوهر الإسلام وصناعة السلام العالمي.

فالسلام العالمي لا يبدأ فقط من الاتفاقيات السياسية، لأن الحروب تبدأ قبل إطلاق الرصاص؛ تبدأ من فكرة تستبيح الآخر، ومن ثقافة تزرع الكراهية، ومن خطاب يقسم البشر إلى أعداء دائمين.

ولذلك فإن صناعة السلام تبدأ من إعادة بناء وعي الإنسان على قاعدة قرآنية ترى التنوع البشري مجالًا للتعارف والتعاون، لا سببًا للإقصاء والصراع.

ومن هذا المنطلق يصبح السلام عملية بناء تبدأ من الفرد، ثم الأسرة، ثم المجتمع، ثم تمتد إلى العلاقات بين الشعوب والدول.

القرآن بوصلة التصحيح

المحور الأعمق في فكر الأستاذ علي محمد الشرفاء الحمادي هو إعادة القرآن إلى موقع المرجعية التي تحدد مفهوم الدين الإسلامي ومقاصده، بدل أن تُنسب إلى الإسلام أفكار وممارسات تتناقض مع الرحمة والعدل وحرمة الاعتداء. وقد عرضت المؤسسة مشروعها صراحة بوصفه عودة إلى القرآن لتصحيح الخطاب وترسيخ التعامل بالرحمة والعدل ونشر السلام.

وهنا لا تكون العودة إلى القرآن مجرد عودة إلى التلاوة، وإنما إلى قيمه الحاكمة للحياة.

فالقرآن حين يأمر بالعدل والرحمة والإحسان والعفو والتعارف وعدم الإكراه وعدم الاعتداء، إنما يرسم منظومة قادرة، إذا تحولت إلى سلوك، على تغيير طبيعة العلاقات بين البشر.

من الفكرة إلى المشروع العالمي

ومن هنا تتضح كذلك أهمية الدور الذي تقوم به مؤسسة رسالة السلام العالمية؛ فهي لا تتعامل مع السلام باعتباره موضوعًا للوعظ فقط، وإنما تسعى إلى تحويل أطروحات الأستاذ علي محمد الشرفاء الحمادي إلى مشروع فكري وثقافي عابر للحدود، من خلال الكتب والترجمات والندوات والتواصل مع الجامعات والمؤسسات الثقافية في دول متعددة. وتصف المؤسسة توجهها بأنه نشر لفهم يقوم على السلام والتعايش والأخوة الإنسانية.

وهذا الانتقال مهم؛ لأن الفكرة مهما كانت عظيمة تظل محدودة الأثر ما لم تتحول إلى وعي جمعي وثقافة ومؤسسات وتعليم وسلوك.

الخلاصة

القيمة الحقيقية للفيديو أنه يعيد ترتيب السؤال.

فبدل أن نظل نسأل العالم: لماذا لا يفهم الإسلام؟

علينا أن نسأل أنفسنا أولًا:

هل قدمنا نحن جوهر الدين الإسلامي كما جاء في القرآن؟

وهل يرى العالم في سلوكنا الرحمة التي أُرسل بها الرسول، والعدل الذي أمر الله به، والسلام الذي تحتاج إليه الإنسانية؟

إن أطروحة الأستاذ علي محمد الشرفاء الحمادي تجعل الإجابة عملية لا نظرية:

جوهر الإسلام منظومة قيم، وغاية هذه القيم إصلاح الإنسان، وثمرة إصلاح الإنسان هي السلام.

وعندما تتحول الرحمة والعدل والحرية والإحسان وعدم الاعتداء من نصوص نتلوها إلى واقع نعيشه، يصبح الدين الإسلامي قادرًا على الإسهام الحقيقي في صناعة السلام العالمي.

وهنا تتحدد رسالة مؤسسة رسالة السلام العالمية: أن تنقل السلام من أمنية تتردد على الألسنة إلى ثقافة تتشكل في العقول، وقيم تتحرك في السلوك، ومشروع إنساني يصل إلى الناس جميعًا.

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى