مقالات

أسامة إبراهيم يكتب: ذكرى الهجرة النبوية… الرحمة تنتصر على النقمة

تأتي ذكرى الهجرة النبوية كل عام، لا لتذكرنا بحدث تاريخي مضى وانقضى مع ما تزخر به كتب التراث الديني من أساطير وخرافات تبعدنا عن جوهر هذا الحدث الذي غير مسار التاريخ، بل لتوقظ فينا المعاني الكبرى التي صنعت واحدة من أعظم المحطات في تاريخ البشرية.

في رأيي أن هجرة الرسول الأكرم لم تكن بأي حالٍ رحلة فرار من اضطهاد، ولا انتقالًا جغرافيًا من منطقة لأخرى، بل كانت هجرة من ظلمات التعصب إلى نور رسالة الإسلام التي تقوم على المحبة والرحمة والسلام.

نقول ذلك في زمنٍ تتعالى فيه أصوات الكراهية، وتزداد فيه النزاعات التي تُرتكب أحيانًا باسم الطائفة أو المذهب أو القبيلة، لذلك تبدو دروس الهجرة النبوية أكثر حضورًا وإلحاحًا من أي وقت مضى. فهي تذكرنا بأن النبي محمد صلى الله عليه وسلم خرج من مكة مُكرهًا، لكنه عاد إليها فاتحًا متسامحًا مسالماً، ليقدم للعالم درسًا خالدًا في أن القوة الحقيقية ليست في الانتقام، بل في العفو، وأن النصر الأسمى ليس هزيمة الخصم، بل كسب القلوب.

ومن المدينة المنورة تجلت الرسالة الإسلامية في أنقى صورها: رسالة بناء لا هدم، ورسالة حياة لا موت، ورسالة سلام لا حرب. في مقابل ذلك، نجد أن أخطر ما تواجهه المجتمعات البشرية اليوم ليس اختلاف البشر، فالتنوع سنة من سنن الحياة، وإنما محاولات تحويل هذا الاختلاف إلى صراع، وتوظيف المقدس لتبرير العنف والكراهية والإقصاء. ومن هنا تبرز أهمية استعادة المعنى الحقيقي للهجرة النبوية، بوصفها دعوة دائمة إلى هجرة كل أشكال التطرف والتعصب والغلو.

إننا أحوج ما نكون إلى هجرة جديدة؛ نهجر فيها لغة الكراهية إلى لغة المحبة، ونهجر أحكام الإقصاء إلى فضاءات الحوار، ونهجر أوهام الصدام إلى آفاق التعارف الإنساني التي دعا إليها القرآن الكريم.

ولعل أهداف ومنطلقات مؤسسة رسالة السلام، التي أرسى دعائمها المفكر العربي الأستاذ علي محمد الشرفاء الحمادي انطلاقاً من قيم القرآن الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تؤكد على أن الوفاء الحقيقي لذكرى الهجرة لا يكون بالاحتفاء التقليدي بالمناسبة الذي تسوده البدع والخزعبلات، بل بالعمل على تجسيد قيم الهجرة في واقعنا المعاصر؛ قيم الرحمة والعدل والتسامح والتعايش. فالإسلام الذي أضاء العالم برسالة «السلام» لا يمكن أن يكون مظلة للعنف، ولا يمكن أن يقبل أن تُرتكب الجرائم باسمه أو أن تُشوَّه صورته بأفعال المتطرفين.

إن الهجرة النبوية ستبقى، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، نداءً متجددًا إلى الإنسانية كلها: أن تعبر من ضيق التعصب إلى سعة الرحمة، ومن جدران الخوف إلى جسور الثقة، ومن ثقافة الصراع إلى ثقافة السلام.
وما أحوج عالمنا اليوم إلى هذا النداء.

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى