
إعداد / هشام النجار
حينما نتأمل المسار التاريخي لانتشار الإسلام عبر الجغرافيا والقرون، تتكشف أمامنا مفارقة مدهشة تهز التصورات السائدة؛ ألا وهي أن أعظم انتصارات الإسلام الروحية تحققت في لحظات ضعف سياسي وانكسار عسكري.
هذه المفارقة مفتاح لفهم جوهر الرسالة، ومصدر القوة الحقيقية الكامنة في القيم القرآنية، وليست مجرد حادثة تاريخية عابرة.

تتضح هذه الحقيقة بأوضح صورها في تجربة إندونيسيا، أكبر دولة إسلامية من حيث عدد السكان؛ حيث لم تصل إليها الجيوش، ولم تخضع لسلطان إمبراطورية، وإنما دخلها الإسلام عبر القلوب، حاملًا معه منظومة أخلاقية راقية، جسدها دعاة وتجار حملوا القرآن سلوكًا حيًا.
تنطلق هذه الدراسة من هذه المفارقة المذهلة اللافتة، لتكشف كيف يتقاطع هذا المسار الحضاري الفريد مع مشروع المفكر علي الشرفاء الحمادي الإصلاحي، الذي أعاد صياغة مفهوم “إقامة الدين” باعتباره مشروعًا إنسانيًا قائمًا على الدعوة والقيم، لا على السلطة والإكراه، ومن خلال هذا التقاطع، نعيد قراءة التاريخ، ونستشرف مستقبلًا إصلاحيًا أكثر اتساقًا مع جوهر الإسلام الحنيف.
إندونيسيا.. تمدُّد الإسلام في زمن الانكسار
في لقاءاتنا مع نخبة من علماء إندونيسيا، وفي مقدمتهم العلامة البروفيسور مصطفى يعقوب، والدكتور بويا مبارك خلال زياراتنا السابقة لإندونيسيا، أجمعوا على حقيقة جوهرية؛ ألا وهي أن الإسلام دخل إندونيسيا عبر السلام والدعوة، لا عبر الحرب والفتح العسكري.
وتتعزز هذه الحقيقة بما أشار إليه المؤرخ توماس أرنولد، حينما رصد تزامن انتشار الإسلام في جنوب شرقي آسيا مع انهيارات كبرى في العالم الإسلامي؛ ومنها سقوط بغداد على يد المغول عام 1258م، وتراجع الوجود الإسلامي في الأندلس بعد سقوط قرطبة، ودفع غرناطة للجزية.
في اللحظة التي كانت فيها السلطة السياسية تتهاوى، كان الإسلام يتمدد في سومطرة وجزر الملايو، محققًا ما وصفه أرنولد بـ”الفتوحات الروحية المُذهلة”.
يكشف هذا التزامن بوضوح أن مصدر القوة كان القيم والمبادئ والأخلاق السامية المستلهمة من تعاليم وتشريعات المنهاج الإلهي والآيات القرآنية، ولم يكن مصدرها الدولة ولا السلطة ولا الجيش.
يتقاطع هنا هذا المشهد مباشرة مع طرح المفكر الكبير الأستاذ علي الشرفاء الحمادي، الذي يؤكد في كتاباته، أن الإسلام بُعث ليبني إنسانًا، وأن إقامة الدين تعني إقامة منظومة القيم في الواقع، ولم يُبعث ليؤسس سلطة ولا لفرض النفوذ السياسي.
القوة الحقيقية.. القيم تغزو القلوب
يصف المؤرخ فان لير تجربة إندونيسيا، بأنها أشبه بدخول “عالم مجهول”، حتى ظن البعض أن قوة خارقة هي التي أدخلت شعوب جنوب شرقي آسيا في الإسلام.
هذه “القوة الخارقة” لم تكن سوى قوة القيم القرآنية عندما تتحول إلى سلوك حي.
لقد تجسد الإسلام هناك في الصدق، والأمانة، والتسامح، والرحمة والعطاء والإيثار والرقي والشهامة والنخوة، والفضيلة والعفة والعفو، والتجرد الإنساني، وهي القيم نفسها التي يشدد عليها الأستاذ علي الشرفاء باعتبارها جوهر الرسالة الإلهية التي جسدها الرسول صلى الله عليه وسلم كونه قدوة المؤمنين في تطبيقها.
الدعوة بالحكمة، والموعظة الحسنة، والعدل، والرحمة، والتكافل، هذه أدوات بناء حضاري، حين تتحول إلى ممارسة يومية، وليست شعارات.
وهنا تتجلى الفكرة المركزية:
تمتلك القيم قدرة على اختراق القلوب لا تملكها الجيوش.
التجار الدعاة.. النموذج الإندونيسي الفريد
من أروع الشواهد على هذا المسار؛ قصة الدعاة الذين قدموا من حضرموت إلى الأرخبيل الإندونيسي منذ القرن الثالث الهجري.
هؤلاء أتوا باحثين عن الرزق، حاملين معهم أخلاق النبي في المعاملة ولم يأتوا فاتحين، وحينما رأى السكان المحليون هذا النموذج الإنساني النقي، تساءلوا عن مصدر هذه الأخلاق، فجاءهم الجواب: إنها تعاليم الإسلام كما هي في القرآن، وكما طبقها الرسول الكريم الأمين عمليًا.
هكذا دخل الناس في الدين طواعية، إعجابًا بالقيم قبل النصوص.
ينسجم هذا النموذج تمامًا مع رؤية المفكر الكبير علي الشرفاء، الذي يرى أن أعظم وسائل الدعوة هي “القدوة العملية” التي تجسد المنهاج الإلهي، وأن السلوك هو التفسير الحقيقي للقرآن بعد تدبره وفهم مقاصد الشريعة وفق مراد الخالق سبحانه وتعالى.
الأندلس وإندونيسيا.. مفارقة المصير
تقدم التجربتان، الأندلسية والإندونيسية، مفارقة حضارية بالغة الدلالة وهي كالتالي:
في الأندلس، دخل المسلمون بالقوة – وبالفتح المزعوم، فخرجوا بالقوة.
وفي إندونيسيا، دخل الإسلام بالقلوب، فبقي في القلوب وصارت أكبر تجمع إسلامي في العالم.
يعكس هذا الفارق قانونًا حضاريًا عميقًا: ما يُفرض بالإكراه يظل هشًا، وما يُبنى على القناعة يترسخ ويبقى إلى الأبد ويعلو.
تمثل هذه الفكرة أحد أعمدة مشروع المفكر الكبير الأستاذ علي الشرفاء، الذي يحذر من اختزال الدين في السلطة، ويرى أن ربط الإسلام بالقوة السياسية أدى إلى تشويه صورته وإضعاف تأثيره والخصم من مكانته.
أزمة الوعي.. الفتوحات تتحول إلى عبء تربوي
تصنع تغذية النشء بقصص الغزو والفتوحات العسكرية من خلال الكتب والمناهج الدراسية، تصورًا مشوهًا للذات وللآخر.
كما أشار ريتشارد ميتشل، فإن هذا النمط التربوي يغرس شعورًا بالاستعلاء الوهمي الزائف، ويخلق فجوة نفسية مع العالم.
يتناقض هذا التصور مع الرؤية القرآنية التي تقوم على التعارف والتعاون، ويرى المفكر علي الشرفاء أن هذا “الانتفاخ الوهمي” هو محاولة لتعويض التخلف الحضاري، عبر استدعاء أمجاد تاريخية بدلًا من بناء حاضر فعلي، قائم على المنهاج الإلهي الذي يتضمن ويضمن سعادة الإنسان ورفاهيته وأمنه واستقراره في الدنيا، إذا التزم حقًا به، وعمل بمقتضاه من جهة الالتزام بالقيم وبالابتكار الحضاري والتفوق المعرفي وتسخير الموارد والثروات لخدمة الإنسان وتحقيق كرامته.
التأويل المتعسف.. من الجهاردية إلى “داعش”
من أخطر مظاهر الانحراف في فهم الدين، توظيف النصوص لخدمة مشاريع الهيمنة.
نموذج “الجهاردية” في عهد السلطان العثماني سليم الأول، يكشف كيف يمكن تأويل القرآن عبر حسابات رقمية خرافية لتبرير الغزو.
تم تفسير آيات قرآنية بطريقة تعسفية لإضفاء شرعية على غزو مصر، رغم كونها دولة إسلامية – ولو لم تكن كذلك فلا يحق لكائن من كان غزوها بالغدر والقوة تحت زعم مبرر نشر الدين.
يتكرر هذا النمط من التفكير اليوم لدى جماعات متطرفة، مثل “داعش”، الذي استدعى نفس الرموز والأفكار، وربط نفسه بأساطير “دابق” الواردة بمرويات مكذوبة مدسوسة منسوبة كذبًا للرسول صلى الله عليه وسلم.
تتناقض هذه القراءة المشوهة للنصوص جذريًا مع المنهج القرآني، وهو ما يؤكده المفكر الكبير علي الشرفاء، الذي يدعو إلى تحرير النص من التوظيف السياسي، وإعادته إلى سياقه الأخلاقي والإنساني عبر العودة إلى مرجعية القرآن الكريم وإعلاء مقاصد القرآن ومبادئه الكبرى المبينة الواضحة، التي تفضح كل قراءة متعسفة وتأويل مُضل مغرض نفعي.
القراءة الإندونيسية الرصينة.. الإسلام بين الحرب والسلام
في المقابل، يقدم العلامة الإندونيسي الدكتور علي مصطفى يعقوب نموذجًا لقراءة عميقة ومتزنة للنصوص.
يوضح في كتابه “الإسلام بين الحرب والسلام”، أن آيات القتال نزلت في سياق الدفاع عن النفس، وأن تعميمها على كل الحالات يمثل خللًا منهجيًا خطيرًا.
يؤكد أن:
-العداوة لا تنشأ إلا بوجود عدوان.
-القتال وسيلة لرد الاعتداء.
-الأصل في العلاقات الإنسانية هو السلام.
ويستند إلى آيات واضحة تفرق بين حالتي الحرب والسلام، مثل آيات سورة الممتحنة “لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (8) إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُون”.
هذه الرؤية تتطابق مع طرح ورؤى المفكر علي الشرفاء، الذي يؤكد أن الجهاد دفاعي، وأن الإسلام يدعو إلى البر والقسط مع الجميع في غياب العدوان.
نحو إعادة تعريف الإسلام.. مشروع إصلاحي جامع
تجربة إندونيسيا، مع قراءة علمائها، ومع فكر علي الشرفاء، تلتقي جميعها عند نقطة مركزية؛ وهي: الإسلام رسالة أخلاقية إنسانية، هدفها بناء مجتمع قائم على العدل والرحمة.
أصبحت إعادة تعريف الإسلام اليوم ضرورة، في ظل التشويه الذي أحدثته القراءات المتطرفة والتراثية.
تتطلب هذه المهمة:
-تحرير النص من التوظيف السياسي.
-إعادة الاعتبار للقيم.
-تقديم نموذج عملي للدعوة.
وهو ما يشكل جوهر المشروع الإصلاحي للمفكر الأستاذ علي الشرفاء.
الطريق إلى المستقبل.. من القلوب يبدأ التغيير
حينما نضع تجربة إندونيسيا بجوار تاريخ الصراعات، ندرك أن المستقبل يُبنى بالقيم لا يُبنى بالقوة.
لقد انتصر الإسلام حينما دخل القلوب، وخسر حينما ارتبط بالسيف.
هذه دعوة لإعادة توجيه المسار على المستوى الفكري والثقافي والتربوي والتعليمي، وليست مجرد قراءة.
يقدم لنا مشروع المفكر علي الشرفاء الحمادي هذا الاتجاه بوضوح:
(القرآن، القدوة، الدعوة، الأخلاق، القيم، الإنسان).
ومن إندونيسيا، تأتي الشهادة الحية:
حينما يتحول القرآن إلى سلوك، يصبح قوة لا تقهر.
ويبقى السؤال مفتوحًا أمام كل قارئ:
أي طريق نختار.. طريق القلوب، أم طريق الصراعات؟




