أخبار مصر

الدكتور سيد عيسى يكتب: نصر أكتوبر بين الماضي والحاضر

هناك  أحداث في التاريخ لا تنتهي بانتهاء المعركة، لأنها تترك وراءها معنى يتجاوز تفاصيلها العسكرية. ‏وحرب أكتوبر 1973 واحدة من تلك اللحظات التي يصعب اختزالها في خرائط الجبهات وأسماء المواقع ‏وحسابات السلاح. فقد كانت، في معناها الأعمق، لحظة لاسترداد الثقة، وإعادة الاعتبار إلى فكرة الإرادة ‏العربية، وإثبات أن الهزيمة، مهما كان وقعها، ليست قدرًا أبديًا‎.‎

ولعل عبارة الكاتب المصري الكبير توفيق الحكيم: «عبرنا الهزيمة» تختصر جانبًا مهمًا من دلالة ‏أكتوبر. فالعبور لم يكن عبورًا مائيًا فحسب، وإنما كان خروجًا من حالة نفسية وتاريخية خلّفتها هزيمة ‏يونيو 1967. يومها لم تخسر الجيوش العربية مواقع وأرضًا فحسب، بل أصابت الهزيمة الوعي العربي ‏نفسه، وتركت وراءها أسئلة ثقيلة عن القدرة على المواجهة، وعن معنى القوة، وعن إمكانية استعادة ‏المبادرة بعد انكسار بدا في لحظته عصيًا على التجاوز‎.‎

من هنا اكتسب السادس من أكتوبر 1973 معناه الاستثنائي. فعندما عبرت القوات المصرية قناة السويس، ‏وبدأت القوات السورية هجومها على جبهة الجولان، لم يكن التحول عسكريًا وحده؛ إذ بدأت صورة جديدة ‏تتشكل في الوعي العربي. لقد أثبتت الأيام الأولى من الحرب أن ما حدث في يونيو ليس نهاية التاريخ، ‏وأن التفوق العسكري الإسرائيلي ليس حقيقة أبدية لا يمكن تحديها، وأن الإرادة حين تقترن بالتخطيط ‏والإعداد قادرة على تغيير معادلات ظن كثيرون أنها ثابتة‎.‎

غير أن القيمة التاريخية لأكتوبر لا تتوقف عند أداء الجيوش في الميدان. فالحرب كانت أيضًا لحظة كاشفة ‏لمعنى التضامن العربي، إذ تجاوزت المشاركة العربية حدود التعاطف السياسي إلى صور متعددة من ‏المساندة العسكرية والاقتصادية والدبلوماسية. شاركت دول عربية بقوات ووحدات عسكرية، وقدمت دول ‏أخرى دعمًا وإمكانات مختلفة، بينما تحركت الدبلوماسية العربية في المحافل الدولية دفاعًا عن الموقف ‏العربي. وهكذا لم تعد المعركة شأنًا يخص دولتين تقاتلان على خط المواجهة، بل أصبحت قضية تتقاطع ‏عندها إرادات عربية متعددة‎.‎

وفي المجال الاقتصادي ظهر النفط العربي عنصرًا مؤثرًا في المشهد الدولي. فقد اتخذت الدول العربية ‏المنتجة للنفط، في سياق الحرب، إجراءات تتصل بالإنتاج والتصدير، الأمر الذي جعل الطاقة جزءًا من ‏أدوات التأثير السياسي. وبذلك امتدت المعركة من الخندق إلى الاقتصاد، ومن الجبهة إلى أروقة السياسة ‏الدولية، وأصبح واضحًا أن عناصر القوة العربية لا تختزل في الجيوش وحدها، وإنما تشمل الموقع ‏والموارد والقدرة على التأثير في المصالح الدولية‎.‎

ولم يكن معنى التضامن آنذاك أن الخلافات العربية قد اختفت، أو أن الدول أصبحت متطابقة في رؤاها ‏وحساباتها. على العكس، كانت الاختلافات السياسية قائمة، وكانت لكل دولة ظروفها وتقديراتها. لكن ‏أهمية التجربة أنها أظهرت أن الاختلاف لا يحول بالضرورة دون الالتقاء حول قضية جامعة. وهذه ربما ‏واحدة من أهم دلالات أكتوبر: أن التضامن الحقيقي لا يعني إلغاء التباين، وإنما القدرة على تحويل ‏المشترك إلى مساحة للعمل‎.‎

لقد كان العامل النفسي من أكثر آثار الحرب عمقًا. فالأمم لا تنهزم في ميادين القتال وحدها؛ وقد تتحول ‏الهزيمة، إذا طال أثرها، إلى صورة مستقرة عن الذات وعن المستقبل. لذلك كان استعادة القدرة على ‏المبادرة جزءًا من الانتصار نفسه. لقد أعاد أكتوبر إلى الإنسان العربي شيئًا من ثقته بقدرته على الفعل، ‏وأثبت أن الجرح الذي تركته 1967 يمكن مواجهته، وأن الهزيمة يمكن أن تكون محطة للتعلم وإعادة بناء ‏القوة، لا حكمًا نهائيًا على المستقبل‎.‎

ومن هنا لا يبدو أكتوبر مجرد ذكرى عسكرية تستعاد كل عام، وإنما تجربة تاريخية تستحق القراءة في ‏ضوء سؤال أوسع: ماذا يستطيع العرب أن يفعلوا عندما تتجه إراداتهم المتفرقة نحو هدف مشترك؟ لقد ‏أظهرت الحرب أن الإمكانات العربية، مهما تعددت مصادرها، لا تتحول تلقائيًا إلى قوة؛ فهي تحتاج إلى ‏تنسيق ورؤية وإرادة سياسية تستطيع أن تنقل التضامن من المشاعر والخطابات إلى السياسات ‏والممارسات‎.‎

وهذا هو الدرس الذي يجعل أكتوبر حاضرًا بعد أكثر من نصف قرن. فالتاريخ لا تكون قيمته في تكرار ‏الاحتفال به، وإنما في فهم اللحظات التي صنعت أثره. وفي أكتوبر اجتمعت عوامل عدة: استعداد ‏عسكري، وإرادة سياسية، ومساندة عربية، وقدرة على استخدام الموارد المتاحة في أكثر من مجال. لذلك ‏بقيت الحرب في الذاكرة العربية بوصفها لحظة تجاوز فيها الإنسان العربي أثر هزيمة سابقة، واستعاد ‏شيئًا من ثقته بأن الواقع ليس مغلقًا أمام الإرادة‎.‎

إن «عبرنا الهزيمة» ليست، في هذا السياق، وصفًا لحركة عسكرية فقط، بل تختصر انتقالًا من حالة ‏الانكسار إلى القدرة على الفعل. فالمعنى الأبعد لعبور القناة كان عبور حاجز نفسي صنعته هزيمة يونيو، ‏وإعادة فتح الأفق أمام فكرة أن استعادة الأرض والكرامة تبدأ أولًا باستعادة القدرة على المبادرة‎.‎

ولهذا يبقى أكتوبر صفحة مهمة في تاريخ التضامن العربي، لا لأنه محا الخلافات العربية أو أنهى ‏الصراع، وإنما لأنه قدم لحظة نادرة استطاعت فيها قضية مشتركة أن تجمع إمكانات متعددة في اتجاه ‏واحد. وربما كان أهم ما يتركه ذلك التاريخ للأجيال الجديدة أن القوة لا تكمن في امتلاك الإمكانات وحدها، ‏بل في القدرة على جمعها وتوجيهها حين تفرض اللحظة التاريخية ذلك‎.‎

لقد كان أكتوبر لحظة استعاد فيها العرب شيئًا من يقينهم بأنفسهم، وأثبتوا أن التضامن، حين يتحول من ‏شعار إلى فعل، يستطيع أن يصبح قوة مؤثرة في التاريخ. ولهذا لا يبقى أكتوبر مجرد ذكرى لحرب ‏مضت، بل يظل سؤالًا مفتوحًا عن معنى الإرادة المشتركة، وعن قدرة العرب على تحويل ما يجمعهم من ‏تاريخ ومصالح وطاقات إلى عمل يصنع المستقبل، كما صنع في ذلك الخريف العربي الاستثنائي فارقًا لا ‏يزال حاضرًا في الذاكرة‎

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى