أخبار مصر

دكتور أحمد الشريف يكتب.. روشتة هندسة بناء الوعي وصناعة مستقبل الأجيال

 

لا يسأل الخائف عن الحرية قبل أن يشعر بالأمان ولا يسأل الجائع عن الرفاهية قبل أن يجد قوت يومه ولا يسأل المحروم عن تكافؤ الفرص قبل أن يجد فرصة حقيقية ولا يسأل المريض عن متعة الحياة قبل أن يستعيد صحته ولا يسأل المغيَّب عن حقيقة لم تتح له فرصة معرفتها.

وهنا يبرز سؤال مهم: هل يمكن أن نطالب الإنسان بالتفكير والإبداع والمشاركة في صناعة المستقبل دون أن نفهم أولًا طبيعة واقعه واحتياجاته والظروف التي تشكل وعيه وتؤثر في اختياراته؟

أولًا: الإنسان ابن واقعه. . وليس أسيرًا له بالضرورة

تؤثر الظروف الاقتصادية والاجتماعية والنفسية في اهتمامات الإنسان وأولوياته وقد تدفعه ضغوط الحياة إلى الانشغال بتدبير احتياجاته اليومية على حساب التفكير في قضايا أوسع تتعلق بمستقبله ومجتمعه ووطنه.

لكن ذلك لا يعني أن الإنسان محكوم بواقعه إلى الأبد؛ فقد يمتلك القدرة على تجاوز ظروفه متى أتيحت له الفرصة وتوافرت أمامه المعرفة ووجد البيئة التي تساعده على اكتشاف قدراته واستثمارها.

ومن هنا تبدأ مسؤوليتنا الحقيقية: ألا نكتفي بالحكم على سلوك الإنسان بل أن نفهم دوافعه وألا نكتفي بمطالبته بالتغيير بل أن نساعده على امتلاك أدواته.

ثانيًا: من إشباع الاحتياجات إلى بناء الوعي

إن تلبية الاحتياجات الأساسية للإنسان ليست نهاية الطريق وإنما هي نقطة انطلاق نحو آفاق أوسع من المعرفة والإبداع والمشاركة.

فالإنسان يحتاج إلى الغذاء، لكنه يحتاج أيضًا إلى المعرفة.

ويحتاج إلى الأمن لكنه يحتاج كذلك إلى الشعور بالكرامة.

ويحتاج إلى العمل لكنه يحتاج أيضًا إلى فرصة عادلة لإثبات ذاته.

ويحتاج إلى حقوقه لكنه يحتاج كذلك إلى الوعي بمسؤولياته.

إن بناء الإنسان عملية متكاملة لا تنفصل فيها متطلبات الحياة الكريمة عن تنمية الفكر والقدرات والمهارات.

ولا يكفي أن نطالب الإنسان بأن يكون واعيًا. بل يجب أن نيسر له الوصول إلى المعرفة وننمي قدرته على التفكير النقدي ونحترم حقه في السؤال والاختيار ونفتح أمامه المجال للمشاركة الإيجابية في مجتمعه.

فالوعي الحقيقي لا يُفرض على الإنسان بل يُبنى داخله بالمعرفة والتجربة والحوار وإتاحة الفرص.

ثالثًا: هندسة الوعي. . من الفكرة إلى الممارسة

هندسة الوعي ليست محاولة لتشكيل عقول الناس وفق رؤية واحدة وليست مجرد نشر للمعلومات أو ترديد للشعارات.

إنها عملية واعية تستهدف مساعدة الإنسان على فهم واقعه وإدراك إمكاناته والتمييز بين الحقيقة والشائعة وبين الحقائق والآراء وبين المشكلة وأسبابها وبين الحلول المؤقتة والحلول المستدامة.

وتبدأ هذه العملية من الأسرة وتمتد إلى المدرسة والجامعة ومؤسسات العمل والمجتمع المدني ووسائل الإعلام لتصنع بيئة تشجع على التفكير المسؤول وتدعم ثقافة العمل والإنتاج وترسخ قيم المواطنة والانتماء واحترام القانون.

والهدف ليس إنتاج إنسان يكرر ما يسمعه بل إنسان يفهم ما يقرأ ويناقش ما يُطرح عليه ويتخذ قراراته بوعي ويتحمل مسؤولية اختياراته.

فالمجتمع الواعي ليس المجتمع الذي يتفق أفراده في كل شيء بل المجتمع الذي يمتلك أفراده القدرة على الاختلاف المسؤول والعمل المشترك.

رابعًا: من الوعي إلى التمكين

قد يمتلك الإنسان المعرفة والرغبة في التغيير لكنه يفتقر إلى الفرصة أو الموارد أو المسار الذي يمكنه من تحويل أفكاره إلى واقع.

وهنا تظهر أهمية التمكين.

فالتمكين يعني إتاحة الفرص وتنمية المهارات وربط التدريب باحتياجات سوق العمل ومساعدة الشباب على اكتشاف قدراتهم وتشجيع المبادرات الإنتاجية وإزالة العقبات التي تحول دون مشاركة المواطنين في التنمية.

كما يعني تعظيم الاستفادة من الطاقات البشرية والأصول والإمكانات المتاحة وتحويل الموارد غير المستغلة إلى مشروعات منتجة وفرص عمل وعوائد اقتصادية واجتماعية.

إننا لا نريد إنسانًا ينتظر الحلول دائمًا بل إنسانًا يستطيع المشاركة في اكتشافها وصناعتها وتنفيذها.

ولا نريد أن تكون التنمية مجرد أرقام ومؤشرات بل أن يشعر المواطن بأثرها في حياته وأن يجد فيها فرصة لتحسين دخله وإثبات ذاته وتأمين مستقبل أسرته.

خامسًا: المواطن شريك في بناء الوطن

إن الانتماء الوطني لا يتعزز بالشعارات وحدها وإنما يتعمق عندما يشعر المواطن أن له مكانًا في وطنه وأن حقوقه مصونة وأن الفرص متاحة أمامه وأن جهده يمكن أن يصنع فرقًا، وأن مشاركته محل تقدير.

ومن هنا تبرز أهمية الانتقال من مفهوم المواطن متلقي الخدمات فقط إلى مفهوم المواطن الشريك في البناء والتنمية دون أن ينتقص ذلك من مسؤولية الدولة عن أداء واجباتها وضمان الحقوق الأساسية وتحقيق العدالة وتكافؤ الفرص.

فالدولة القوية تحتاج إلى مؤسسات فعالة كما تحتاج إلى مواطن واعٍ ومنتج ومشارك وتحتاج التنمية المستدامة إلى تكامل الجهود بين الدولة والقطاع الخاص والمجتمع المدني والمواطنين.

إن أفضل استثمار يمكن أن يقوم به الوطن هو الاستثمار في الإنسان وأفضل عائد لهذا الاستثمار هو إنسان قادر على الإنتاج والإبداع والمشاركة في صناعة المستقبل.

سادسًا: نحو مشروع متكامل لبناء الإنسان

إذا أردنا تحويل هذه الرؤية إلى واقع فعلينا أن ننتقل من الأفكار العامة إلى برامج عملية تقوم على أربعة محاور مترابطة:

1. تهيئة الحياة الكريمة: من خلال دعم فرص العمل وتحسين الوصول إلى الخدمات الأساسية وتعزيز الحماية الاجتماعية وتكافؤ الفرص.

2. نشر المعرفة وبناء الوعي: من خلال التعليم والتدريب والإعلام المسؤول والحوار المجتمعي وتنمية مهارات التفكير والتحليل واتخاذ القرار.

3. التأهيل من أجل التمكين: من خلال برامج عملية لا تكتفي بمنح الشهادات بل تساعد الإنسان على اكتساب المهارات التي يحتاج إليها في العمل والإنتاج وريادة الأعمال والمشاركة المجتمعية.

4. توسيع المشاركة في التنمية: من خلال فتح المجال أمام المواطنين للمساهمة في تحديد الأولويات واقتراح الحلول وتنفيذ المبادرات ومتابعة النتائج وتقييم الأثر.

ولضمان نجاح هذه المحاور ينبغي أن تكون البرامج مرتبطة باحتياجات حقيقية وأن تُقاس نتائجها بمؤشرات واضحة مثل فرص العمل المستحدثة وتحسن دخول المستفيدين ونسبة انتقال المتدربين إلى العمل ومدى مشاركة المواطنين في المبادرات التنموية.

فالمعيار الحقيقي للنجاح ليس عدد الفعاليات التي ننظمها وإنما مقدار التغيير الإيجابي الذي نحدثه في حياة الناس.

الخلاصة: ابدأ بالإنسان. . تصل إلى الوطن

إن بناء الأوطان لا يبدأ من المباني والمشروعات وحدها بل يبدأ أيضًا ببناء الإنسان القادر على إدارة هذه المشروعات واستثمار الموارد وصناعة الأفكار وتحويل الإمكانات إلى إنجازات.

ولا يمكن أن نطالب الإنسان بتجاوز واقعه دون أن نساعده على امتلاك أدوات هذا التجاوز أو أن نطالبه بالمشاركة دون أن نتيح له فرصة حقيقية للمشاركة.

 

إن الطريق إلى المستقبل يبدأ بفهم الإنسان ويمر ببناء وعيه ويتقدم بتأهيله وتمكينه ويكتمل بمشاركته في التنمية والاستفادة العادلة من ثمارها.

ولذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغلنا ليس فقط : كيف نغير طريقة تفكير الإنسان؟

بل أيضًا: كيف نهيئ له الظروف التي تساعده على التفكير بحرية والعمل بكرامة والإبداع بثقة والمشاركة بمسؤولية؟

فالإنسان ليس مجرد وسيلة لتحقيق التنمية بل هو غايتها وصانعها وشريكها الأساسي.

ومن هنا نؤمن بأن:

التأهيل من أجل التمكين والوعي من أجل المشاركة والتنمية من أجل الإنسان.

وهي معادلة تستحق أن تتحول من فكرة فكرية إلى مشروع وطني متكامل يؤمن بأن كل إنسان يمتلك طاقة تستحق الاكتشاف وقدرة تستحق التنمية وفرصة تستحق أن تُتاح له.

لأن بناء الإنسان هو البداية الحقيقية لبناء الأوطان.

الدكتور أحمد الشريف

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى