مقالات

رؤية المفكر العربي الكبير علي محمد الشرفاء الحمادي حول إستخدام القوة في البناء والهدم

منذ فجر التاريخ والإنسان يسعى إلى امتلاك القوة. قوة العلم، وقوة المال، وقوة السلاح، وقوة الكلمة، وقوة السلطة. وكان يظن أن امتلاك القوة وحده هو طريق التقدم والنجاح.

لكن التجربة الإنسانية أثبتت أن القوة ليست قيمة في ذاتها، وإنما تتحدد قيمتها بالغاية التي تُستخدم من أجلها.

فالعلم قد يكتشف دواءً ينقذ ملايين البشر، وقد ينتج سلاحًا يهدد حياتهم.

والمال قد يبني المدارس والمستشفيات، وقد يصبح وسيلة للاحتكار والفساد.

والإعلام قد ينشر المعرفة ويقرب بين الشعوب، وقد يزرع الكراهية ويصنع الفتن.

والسلطة قد تحقق العدل وتصون الحقوق، وقد تتحول إلى وسيلة للاستبداد.

بل إن الذكاء الاصطناعي، وهو أعظم أدوات العصر، يستطيع أن يخدم الإنسانية خدمة غير مسبوقة، كما يستطيع أن يزيد من حجم التحديات إذا غابت عنه البوصلة الأخلاقية.

ومن هنا فإن السؤال الحقيقي لم يعد: كيف نمتلك القوة؟

بل أصبح: كيف نوجّه القوة؟

إن القوة بلا قيم كالسفينة العملاقة التي فقدت بوصلتها؛ قد تمتلك كل أسباب الحركة، لكنها لا تعرف إلى أي شاطئ تتجه.

ولهذا لم يجعل القرآن الكريم القوة غاية مستقلة، وإنما ربطها دائمًا بالعدل والإحسان والرحمة، حتى تكون وسيلة لحماية الإنسان وصيانة كرامته، لا لإخضاعه أو استغلاله.

إن الحضارات لا تنهار عندما تضعف قوتها المادية فحسب، وإنما تنهار عندما تنفصل هذه القوة عن منظومتها الأخلاقية. وعندئذ يصبح التقدم العلمي عبئًا على الإنسان، وتتحول الإنجازات إلى مصادر خوف بدلًا من أن تكون وسائل أمان.

ولهذا فإن المستقبل لن يكون لمن يملك القوة وحدها، بل لمن يملك القدرة على توجيهها نحو الخير العام.

ومن هنا تنطلق رؤية مؤسسة رسالة السلام العالمية بقيادة المفكر العربي الأستاذ علي محمد الشرفاء الحمادي، التي تؤكد أن النهضة الإنسانية لا تقوم على امتلاك أدوات القوة فقط، وإنما على بناء الإنسان القادر على استخدامها وفق منظومة القيم القرآنية؛ قيم العدل، والرحمة، والحرية، والأمانة، والإحسان، واحترام كرامة الإنسان.

فإذا اقترنت القوة بالقيم أصبحت وسيلة للعمران، وإذا انفصلت عنها تحولت إلى أداة للهدم، مهما بلغت من التقدم والتطور.

وهكذا، فإن أعظم استثمار في المستقبل ليس صناعة قوة جديدة، وإنما صناعة الإنسان القيمي الذي يعرف متى يستخدم القوة، ولماذا يستخدمها، ولصالح من يستخدمها.

فالقوة تبني حين تقودها القيم، وتهدم حين تتحرر منها، وتلك هي المعادلة التي تحتاجها الإنسانية اليوم أكثر من أي وقت مضى.

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى