
ليست المأساة أن يختلف العرب فالأمم الحية لا تتقدم إلا بالحوار وتعدد الرؤى وتباين الاجتهادات وإنما المأساة أن يتحول الاختلاف من باب للفهم إلى نافذة للكراهية ومن فرصة لتصحيح المسار إلى ذريعة لتصفية الحسابات ومن خلاف يمكن أن يصنع الحلول إلى صراع لا يترك وراءه إلا الخراب عندها لا يعود الماضي مجرد حكاية تروى بل يصبح واقعا يتسلل إلى الحاضر بأسماء جديدة ووجوه مختلفة
كانت داحس والغبراء أكثر من حرب أشعلها سباق خيل بين قبيلتين كانت اختبارا قاسيا لعقل غلبته العصبية ولنفوس استسلمت لكبريائها ولمجتمع سمح لشرارة صغيرة أن تتحول إلى حريق كبير لم تكن الخيول هي التي قررت الحرب بل كان الإنسان الذي وضع كبرياءه فوق الحكمة وثأره فوق العدل والانتصار لنفسه فوق مصلحة الجماعة
وإذا تأملنا واقعنا العربي اليوم بعيدا عن مواقع الخصومة فسوف ندرك أن التاريخ لا يحتاج إلى أن يستنسخ أدواته القديمة كي يعيد إنتاج مآسيه فالقبيلة قد تتحول إلى تيار والعصبية قد ترتدي ثوب الوطنية أو الأيديولوجيا والثأر قد يتخفى خلف شعارات الكرامة والتعصب قد يتحدث بلغة السياسة والإعلام بينما تظل الحقيقة واحدة وهي إنسان يندفع وراء غضبه حتى يفقد القدرة على رؤية العواقب
لقد تغيرت ميادين الصراع لكن بعض العقول ما زالت أسيرة المنطق ذاته كلمة تثير الغضب وموقف يجرح الكبرياء واختلاف في الرأي يتحول إلى اتهام بالخيانة ثم تتسع الدائرة حتى يصبح التراجع ضعفا والاعتذار هزيمة والاعتراف بالخطأ انتقاصا من المكانة وهكذا يجد الجميع أنفسهم في معركة قد لا يتذكرون كيف بدأت لكنهم يواصلونها لأن أحدا لم يعد يملك شجاعة إيقافها
وهنا تكمن خطورة اللحظة العربية فالصراعات لا تبدأ دائما بقرار كبير بل قد تبدأ بكلمة غير مسؤولة أو خطاب يحرض على الكراهية أو إعلام يحول الخلاف إلى معركة وجود أو خطاب عام يوزع صكوك الوطنية على من يوافق ويحجبها عمن يختلف ومع تكرار هذا المناخ تتراجع مساحة العقل ويصبح الجمهور وقودا لمعركة لم يختر أهدافها وقد يدفع ثمنها من أمنه واستقراره ومستقبل أبنائه
إن أخطر ما يصيب المجتمعات ليس أن تختلف بل أن تفقد قدرتها على إدارة الاختلاف فالخلاف الذي تحكمه القواعد يمكن أن يكون مصدر قوة أما الخلاف الذي تحكمه الأهواء فيتحول إلى استنزاف دائم وحين يصبح الهدف هو إسكات الآخر لا فهمه وإقصاؤه لا محاورته وكسر إرادته لا الوصول إلى أرضية مشتركة فإن المجتمع يبدأ في هدم جسوره بيديه ثم يكتشف متأخرا أنه لم يترك لنفسه طريقا للعبور
والمفارقة أن المتخاصمين كثيرا ما يرفعون شعارات المجد والكرامة بينما تتراجع مصالح الناس وتتعطل فرص التنمية وتتسع فجوات الثقة ويصبح المستقبل رهينة لمعركة في الحاضر فما قيمة الانتصار في خصومة إذا كان ثمنه إضعاف الجميع وما جدوى أن يثبت طرف أنه الأقوى إذا انتهى الصراع وقد خسر المجتمع أمنه ووحدته وقدرته على النهوض إن الانتصار الذي يهدم البيت الذي يجمع المتخاصمين ليس انتصارا كاملا بل هزيمة مؤجلة تتخفى خلف ضجيج الغلبة
إن العرب لا تنقصهم دروس التاريخ وإنما تنقصهم أحيانا الشجاعة الكافية لمواجهة أنفسهم بهذه الدروس فالتاريخ لا يطلب منا أن نبكي على حروبه بل أن نفهم كيف بدأت ولماذا استمرت ومن الذي استفاد من اشتعالها ومن الذي دفع ثمنها من عمره ودمه وموارده وأحلامه أما استدعاء الماضي للتفاخر به دون استخلاص حكمته فهو نوع آخر من النسيان نسيان يرتدي ثوب المعرفة بينما يكرر أخطاء الجهل
ومن هنا تبرز الحاجة إلى وعي تنويري يعيد الاعتبار للعقل ويحرر الإنسان من أسر التعصب ويؤسس لعلاقة تقوم على احترام الإنسان وحقه في التفكير والاختلاف وعي يدرك أن قوة المجتمعات لا تقاس بقدرتها على صناعة الخصوم بل بقدرتها على تحويل الخصومة إلى حوار وأن قيمة القيادة لا تظهر في إشعال المشاعر وتعبئة الجماهير بل في تهدئة النفوس وحماية المصالح العامة ومنع الخلاف من التحول إلى كارثة
إننا بحاجة إلى مراجعة ثقافة ترى في كل اختلاف تهديدا وفي كل نقد عداء وفي كل تسوية تنازلا فليس كل من خالفنا خصما وليس كل من انتقدنا متآمرا وليس كل من تراجع عن موقفه مهزوما أحيانا يكون التراجع شجاعة والاعتذار قوة والتنازل المحسوب حكمة والحوار الصادق انتصارا أكبر من انتصار تصنعه الضوضاء وتبدده الأيام
ولعل السؤال الأعمق الذي تطرحه داحس والغبراء ليس هل يمكن أن تتكرر الحرب بل لماذا يصر الإنسان على تكرار الأسباب التي صنعتها لماذا نعرف أن التعصب يقود إلى الخراب ثم نمنحه المنابر ولماذا نرى أن الثأر يستنزف الأجيال ثم نربي أبناءنا على منطق الغلبة ولماذا نحتفي بالحكمة في الكتب ثم نعتبرها ضعفا عندما تحتاج إليها المواقف
إن الجاهلية ليست زمنا انقضى بمجرد تغير القرون وليست حالة مرتبطة بمرحلة تاريخية بعينها إنها حالة عقلية وأخلاقية تعود كلما تراجع العدل أمام القوة وغلب الانفعال على التفكير وتحولت الجماعة إلى قطيع يساق بالغضب وأصبح الإنسان مستعدا لإيذاء أخيه دفاعا عن فكرة لم يمنح نفسه فرصة لمراجعتها
ومع ذلك فإن تكرار المأساة ليس قدرا محتوما فما دام العقل قادرا على المراجعة وما دامت الكلمة قادرة على إطفاء نار وما دام الإنسان يستطيع أن يقدم مصلحة الجماعة على نزوة الانتصار لنفسه فإن الطريق إلى النجاة يظل مفتوحا لكن هذا الطريق يحتاج إلى إرادة حقيقية ترفض التحريض وتواجه خطاب الكراهية وتمنح الحوار مكانته وتدرك أن ما يجمع الناس أكبر وأبقى مما يفرقهم
إن السؤال الذي ينبغي أن يقلقنا ليس من سيكسب الجولة القادمة بل من سيحمي المستقبل من فاتورة هذه الجولة وليس من سيرفع صوته أكثر بل من يمتلك الحكمة الكافية ليمنع الصوت من التحول إلى صدام فالأمم لا تسقط دائما حين يهزمها عدوها بل قد تبدأ خسارتها حين تنشغل بصراعاتها الداخلية إلى الحد الذي تنسى معه لماذا وجدت وما الذي ينبغي أن تحميه وأي مستقبل تريد أن تتركه لأبنائها
داحس والغبراء ليستا مجرد اسمين في كتاب قديم بل تحذير مفتوح من أن الكبرياء حين ينفصل عن الحكمة يتحول إلى وقود للحروب وأن التعصب حين يتقدم على العقل يجعل الإنسان عدوا لأقرب الناس إليه
فهل نتعلم من التاريخ قبل أن يدفع أبناؤنا ثمن أخطائنا أم نتركهم يرثون خصومات لم يصنعوها كما ورثت أجيال سابقة حروبا بدأت بسبب سباق وانتهت باستنزاف العمر
إن التاريخ لا يعيد نفسه وحده ولا يفرض على الشعوب أن تسير في الطرق ذاتها نحن الذين نعيد إنتاجه حين نكرر منطقه ونمنحه فرصة جديدة كلما قدمنا العصبية على العقل والخصومة على المصلحة والانتصار للنفس على سلامة الجماعة
فإما أن نكسر دائرة داحس والغبراء بالوعي والحكمة وإما أن نغير أسماء الخيول والفرسان ونترك المأساة ذاتها تكتب فصلا جديدا من تاريخنا

