أخبار عالمية

محرر الشؤون الدولية لـ (وال): سبتة وتدفق المهاجرين: هل آن الأوان لمعالجة الجذور بدل الاكتفاء بالمقاربة الأمنية؟

أعادت موجة التدفق البشري الأخيرة نحو مدينة سبتة ملف الهجرة غير النظامية إلى صدارة النقاش الأوروبي، بعد أن حاول عشرات الآلاف الوصول إلى المدينة الواقعة على الساحل الشمالي للمغرب خلال أيام معدودة ، لتكشف هذه التطورات، مرة أخرى، حدود المقاربة الأمنية التي اعتمدتها أوروبا لعقود، وأثارت أسئلة أعمق تتعلق بأسباب الهجرة، ومستقبل العلاقات الأوروبية الإفريقية، واستمرار النزاع حول سبتة ومليلية.

وقال محرر الشؤون الدولية بوكالة الأنباء الليبية (وال) إنه رغم أن الحكومات الأوروبية سارعت إلى تعزيز الإجراءات الأمنية وتشديد الرقابة على الحدود، فإن التجربة الممتدة منذ أكثر من ثلاثة عقود تشير إلى أن بناء الأسوار، ونشر القوات، وتوقيع اتفاقيات إعادة المهاجرين، لم تنجح في إنهاء الظاهرة، بل أدت في كثير من الأحيان إلى تغيير مساراتها وزيادة خطورتها، مع ازدهار شبكات تهريب البشر وارتفاع أعداد الضحايا في البحر.

ولاحظ المحرر أنه في خضم هذه الأزمة، برزت مواقف متشددة من بعض العواصم الأوروبية، وفي مقدمتها روما، التي أعربت عن قلقها من تداعيات ما جرى في سبتة على منظومة الهجرة الأوروبية مشيرا إلى ان هذا الموقف يبدو متناقضا للوهلة الأولى، خاصة أن إيطاليا تعد من أكثر الدول الأوروبية تعرضا لتدفقات الهجرة عبر البحر المتوسط. غير أن تفسير هذا الموقف يرتبط بحسابات سياسية داخلية، وبمخاوف من انتقال آثار أي أزمة حدودية إلى بقية دول الاتحاد الأوروبي، فضلا عن تحول ملف الهجرة إلى أحد أبرز محاور المنافسة الانتخابية بين الأحزاب الأوروبية.

وفي هذا الصدد رأى المحرر أن السؤال الأكثر أهمية لا يتعلق بكيفية منع المهاجرين من الوصول إلى أوروبا، بل لماذا يخاطر عشرات الآلاف بحياتهم أصلًا؟ .. وقال إن الإجابة لا تقتصر على الفقر وحده، بل تشمل البطالة، وضعف فرص الاستثمار، وهشاشة الاقتصادات المحلية، واستمرار اضطرار كثير من الدول الإفريقية إلى تصدير المواد الخام بدل تصنيعها محليًا وفق اتفاقيات مجحفة مع دول وشركات أوروبية تعود إلى عقود مضت، مؤكدا أن معالجة هذه الأسباب تتطلب شراكة اقتصادية حقيقية بين أوروبا وإفريقيا، تقوم على الاستثمار طويل الأجل بدل الاكتفاء بالمساعدات المالية أو الحلول الأمنية.

وشدد محرر الشؤون الدولية لـ (وال) في سياق متصل على أن الزراعة الحديثة، والصيد البحري، والصناعات الغذائية، والطاقة المتجددة، والتكنولوجيا، تمثل قطاعات قادرة على خلق ملايين فرص العمل إذا توفرت الاستثمارات ونقل المعرفة والخبرة ، كما أن توطين الصناعات التحويلية داخل القارة الإفريقية من شأنه أن يمنح الاقتصادات المحلية قيمة مضافة أكبر، ويحد من الاعتماد على تصدير المواد الخام فقط.

في المقابل، يضيف المحرر، أن العلاقة الاقتصادية بين أوروبا وإفريقيا لا تزال غير متوازنة، إذ تستفيد شركات احتكارية أجنبية من الموارد الطبيعية والمعادن النادرة التي تزخر بها القارة الأفريقية، بينما لا تنعكس هذه الثروات بالقدر الكافي على التنمية المحلية، غير أنه شدد على أن تحقيق تنمية مستدامة يتطلب أيضًا إصلاحات داخلية، تشمل تحسين الحوكمة، وتعزيز الشفافية، ومكافحة الفساد، حتى تُدار الموارد الوطنية بكفاءة وتُوجَّه عائداتها إلى الاستثمار والخدمات العامة.

واستطرد المحرر أنه لا يمكن تناول أزمة سبتة دون التطرق إلى وضعها التاريخي والسياسي. فقد أصبحت سبتة تحت السيطرة البرتغالية عام 1415، ثم انتقلت إلى التاج الإسباني خلال اتحاد العرشين البرتغالي والإسباني، بينما احتلت إسبانيا مليلية عام 1497. ومنذ ذلك الحين بقيت المدينتان تحت الإدارة الإسبانية.

ويتمسك المغرب بموقفه الثابت بأن سبتة ومليلية والجزر المجاورة لهما تمثل بقايا مرحلة التوسع الاستعماري الأوروبي في شمال إفريقيا، ويؤكد أن سيادته التاريخية عليهما لم تنتهِ، وأن معالجة هذا الملف يجب أن تتم بالحوار. في المقابل، تعتبر إسبانيا المدينتين جزءًا لا يتجزأ من أراضيها الوطنية، وترفض وصف وجودها فيهما بالاحتلال، مستندة إلى استمرار إدارتها لهما منذ قرون وإلى وضعهما القانوني ضمن الدولة الإسبانية.

ورغم استمرار الخلاف، فإن البلدين حافظا خلال العقود الأخيرة على مستوى مرتفع من التعاون في ملفات الأمن والهجرة والتجارة ومكافحة الإرهاب، وهو ما جعل قضية السيادة تُدار غالبا عبر القنوات الدبلوماسية دون تصعيد مباشر.

وتابع المحرر أن التجارب أثبتت أن المقاربة الأمنية وحدها لا تكفي ، فكلما أُغلق طريق، ظهر طريق آخر، وكلما ارتفعت الأسوار، ازدادت أرباح شبكات التهريب. ومن ثم، فإن أي استراتيجية طويلة المدى للحد من الهجرة غير النظامية لا بد أن تنطلق من الاستثمار في الإنسان داخل بلده، عبر توفير فرص العمل، وتعزيز التعليم، ونقل التكنولوجيا، وتطوير البنية الاقتصادية، بما يجعل الهجرة خيارًا لا ضرورة.

وخلص محرر الشؤون الدولية لـ (وال) إلى ان أزمة سبتة تبدو أكثر من مجرد حادثة حدودية؛ فهي تعكس اختلالا أوسع في العلاقة بين شمال المتوسط وجنوبه، مؤكدا أنه إذا كانت أوروبا تسعى إلى حماية حدودها، فإن تحقيق هذا الهدف بصورة مستدامة يمر، بعيدا عن العناد، عبر الإسهام في بناء اقتصاد إفريقي أكثر قدرة على توفير الأمل لشبابه من خلال التوقف عن استغلال ثروات القارة ومواردها النادرة وبناء شراكات حقيقية رابح – رابح، لا عبر الاكتفاء بتشديد إجراءات المنع والردع الفاشلة

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى