أخبار مصر

مساندة سياسية وجنود في قلب المعركة.. كيف شكلت الجزائر «القوة الضاربة الثانية» في ‏حرب أكتوبر؟

داليا فوزي- فريق تحرير مركز العرب

على الرغم من معارك أكتوبر 1973 دارت على الجبهتين المصرية والسورية، إلا أن بلدانا ‏أخرى كانت حاضرة في قلب المعركة، وفي مقدمة هذه الدول الجزائر، التي وضعت جزءًا من ‏قواتها المسلحة وإمكاناتها المالية والعسكرية في خدمة الجبهة المصرية.‏
كان الموقف الجزائري امتدادًا لرؤية الرئيس هواري بومدين للعلاقات العربية وللقضية ‏الفلسطينية، لكنه اكتسب في أكتوبر 1973 بعدًا عمليًا واضحًا. فقد أرسلت الجزائر قوات برية ‏وطائرات مقاتلة إلى مصر، وساندت القاهرة ودمشق ماليًا في شراء السلاح، كما شاركت في ‏الموقف العربي المتعلق باستخدام النفط للضغط على الدول الداعمة لإسرائيل، كما تصف ‏مصادر مصرية رسمية المشاركة الجزائرية بأنها ثاني أكبر دعم عسكري عربي خلال الحرب ‏بعد العراق، مع ملاحظة أن العراق ركز الجزء الأكبر من قوته على الجبهة السورية، بينما ‏تركزت المشاركة الجزائرية أساسًا على الجبهة المصرية. ‏
قرار سياسي قبل أن يكون تحركًا عسكريًا
كان موقف الجزائر من حرب أكتوبر مرتبطًا بسياق أوسع بدأ منذ حرب يونيو 1967. ‏فالجيش الجزائري، الذي خرج حديثًا نسبيًا من حرب تحرير طويلة ضد الاستعمار الفرنسي، ‏كان ينظر إلى الصراع العربي الإسرائيلي باعتباره قضية تتصل بالتحرر الوطني والسيادة ‏ورفض الاحتلال، وعندما اندلعت الحرب في السادس من أكتوبر 1973، أعلنت الجزائر ‏استعدادها لتقديم الدعم لمصر. وتذكر المصادر المصرية أن الرئيس هواري بومدين اتصل ‏بالرئيس أنور السادات في بداية الحرب، وأبلغه بوضع الإمكانات الجزائرية تحت تصرف ‏القيادة المصرية، طالبًا تحديد الاحتياجات من الرجال والسلاح.‏

لكن التحرك الجزائري لم يبدأ فعليًا في السادس من أكتوبر فقط، وإنما كانت هناك اتصالات ‏سابقة تتعلق بتوفير السلاح. وتبرز هنا زيارة بومدين إلى موسكو ودوره في محاولة تأمين ‏إمدادات عسكرية إضافية لمصر وسوريا.‏
‏200 مليون دولار.. الجزائر تفتح الطريق أمام السلاح
أحد أبرز جوانب الدور الجزائري كان الجانب المالي. فمع تعقد موقف إمدادات السلاح ‏السوفيتي إلى مصر في الفترة السابقة للحرب، تحرك بومدين باتجاه موسكو، وأبدى استعداد ‏الجزائر لتحمل تكلفة شراء أسلحة تحتاج إليها مصر وسوريا.‏
وتورد مصادر متعددة أن الجزائر أودعت نحو 200 مليون دولار لدى الاتحاد السوفيتي لتمويل ‏مشتريات عسكرية لمصر وسوريا، وأن ذلك جرى في سياق دعم إعادة تسليح الدولتين بعد ‏الحرب. وتذكر رواية سعد الدين الشاذلي، التي نقلتها مصادر صحفية، أن المبلغ قُدم في ‏نوفمبر 1973 بواقع 100 مليون دولار لمصر و100 مليون لسوريا
وهنا تكمن أهمية الدور الجزائري في أنه لم يكن مجرد قرار بإرسال قوات إلى الجبهة، بل شمل ‏محاولة معالجة واحدة من أكثر المشكلات حساسية في الحرب: استمرار تدفق السلاح والذخائر ‏إلى القوات العربية.‏
الجبهة المصرية تستقبل القوات الجزائرية
ميدانيًا، شاركت الجزائر بقوات برية ضمن الفوج الثامن للمشاة الميكانيكية، وضمت القوة أكثر ‏من ألفي جندي، إلى جانب ضباط الصف والضباط، كما شملت وحدات دبابات ومشاة ‏ميكانيكية ومدفعية ميدان ومدفعية مضادة للطائرات.‏
وتورد بيانات نشرتها الإذاعة الجزائرية، نقلًا عن تصريحات للمستشار علي محمود محمد، ‏رئيس المكتب الإعلامي المصري في الجزائر، أن القوة الجزائرية ضمت 2115 جنديًا و812 ‏ضابط صف و192 ضابطًا، إلى جانب 96 دبابة و32 آلية مجنزرة و12 مدفع ميدان و16 ‏مدفعًا مضادًا للطائرات. ‏
كما أن القوة المدرعة الجزائرية لم تكن موجودة على خط القناة منذ الساعات الأولى للحرب. ‏بدأت عناصر من اللواء المدرع في الوصول إلى مصر اعتبارًا من 17 أكتوبر، ووصلت إلى ‏الجبهة في 24 أكتوبر، أي في مرحلة متأخرة من العمليات العسكرية. ولذلك فإن القول إن ‏الدبابات الجزائرية كانت صاحبة الدور الرئيسي في معارك العبور الأولى أو أنها حسمت ‏معركة بعينها في الأسبوع الأول من الحرب يحتاج إلى مراجعة. ‏
أما المشاركة الجوية، فكانت أكثر سرعة وتأثيرًا في الأيام الأولى الطائرات الجزائرية تدخل ‏المعركة أرسلت الجزائر طائرات مقاتلة إلى مصر، من بينها ميج-21 وسوخوي-7، وبدأت ‏عناصر من القوة الجوية الجزائرية المشاركة في العمليات بين 9 و11 أكتوبر.‏
وتشير المصادر إلى أن الجزائر أرسلت سربًا من ميج-21 وسربًا من سوخوي-7، بينما كانت ‏هناك عناصر جزائرية أخرى موجودة في مصر قبل الحرب ضمن ترتيبات عسكرية سابقة. كما ‏شاركت الطائرات الجزائرية في العمليات إلى جانب الطائرات المصرية والعراقية. ‏
وتكتسب هذه المشاركة أهميتها من توقيتها؛ فالقوات الجوية الجزائرية دخلت إلى مسرح ‏العمليات في مرحلة مبكرة من الحرب، بينما كانت القوات البرية الثقيلة تحتاج إلى وقت أطول ‏للوصول بسبب المسافة الكبيرة بين الجزائر ومصر وتعقيدات النقل.‏
الشاذلي والجنود الجزائريون
تكتسب الشهادات المصرية، خصوصًا شهادة الفريق سعد الدين الشاذلي، أهمية خاصة في ‏تقييم الانطباع الذي تركته القوات الجزائرية لدى القيادة المصرية وتشير روايات نقلت عن ‏مذكراته إلى تقديره لحماس الجنود الجزائريين، وربط ذلك بخبرتهم القتالية السابقة في حرب ‏التحرير الجزائرية. وقد أصبح هذا الجانب جزءًا من الذاكرة العسكرية المشتركة بين البلدين، إذ ‏لم تكن المشاركة الجزائرية بالنسبة للقاهرة مجرد أرقام للقوات والمعدات، وإنما حضورًا لجيش ‏يحمل تجربة طويلة في حرب التحرير. ‏
النفط.. الجزائر في المعركة السياسية
لم تتوقف المشاركة الجزائرية عند السلاح والجنود. فقد جاءت حرب أكتوبر في لحظة تحول ‏فيها النفط إلى أحد أهم أدوات الضغط العربي على الولايات المتحدة والدول الغربية الداعمة ‏لإسرائيل وفي 17 أكتوبر 1973 اتخذت منظمة الدول العربية المصدرة للبترول «أوابك» قرارًا ‏بخفض الإنتاج بنسبة 5% شهريًا، مع ربط استمرار التخفيض بانسحاب إسرائيل من الأراضي ‏المحتلة وحقوق الفلسطينيين، كما شمل القرار التهديد بحظر النفط على الدول التي تقدم دعمًا ‏عسكريًا لإسرائيل.‏
وكانت الجزائر جزءًا من هذا الموقف العربي الأوسع. لكن من المهم عدم اختزال سياسة النفط ‏في قرار جزائري منفرد؛ فقد كانت عملية جماعية شاركت فيها الدول العربية المنتجة للنفط، ‏وكانت السعودية وليبيا والكويت ودول أخرى صاحبة أدوار بارزة فيها. وتشير الوثائق الأمريكية ‏الرسمية إلى أن الحظر النفطي العربي جاء ردًا على إعادة الولايات المتحدة إمداد إسرائيل ‏بالسلاح خلال الحرب.‏
الجزائر.. شريك عربي في لحظة الحرب
تكشف المشاركة الجزائرية في حرب أكتوبر عن طبيعة مختلفة للعلاقات العربية في تلك ‏المرحلة. فالدول العربية لم تدخل الحرب بدرجة واحدة من المشاركة، ولم تكن مساهماتها ‏متطابقة. هناك من شارك بقوات كبيرة، وهناك من أرسل أسرابًا جوية أو وحدات برية، وهناك ‏من قدم المال والسلاح، وهناك من استخدم موارده النفطية وأدواته الدبلوماسية.‏
أكثر من أداة في وقت واحد
فقد أرسلت الطيارين والطائرات، ودفعت بقوات برية ومعدات، وساهمت في تمويل شراء ‏السلاح، وساندت الموقف العربي في مواجهة إسرائيل والدول الغربية الداعمة لها ومن هنا فإن ‏قيمة الدور الجزائري لا تقاس فقط بعدد الدبابات أو الطائرات التي وصلت إلى مصر، وإنما ‏أيضًا بالقرار السياسي الذي اتخذته القيادة الجزائرية في لحظة كانت فيها الحرب مفتوحة على ‏احتمالات واسعة، وبالاستعداد لتحويل الموقف السياسي إلى مشاركة عملية.‏
وبعد أكثر من نصف قرن، تظل المشاركة الجزائرية في حرب أكتوبر واحدة من أبرز محطات ‏التعاون العسكري العربي في القرن العشرين. فقد انتقلت الجزائر من موقع الدولة الداعمة ‏سياسيًا إلى موقع الدولة التي شاركت بقوات وسلاح ومال، لتصبح الجبهة المصرية في أكتوبر ‏‏1973 ساحة التقت فيها خبرة الجيش المصري مع قوات عربية جاءت من مسافات بعيدة، ‏وكان من بينها الجيش الجزائري.‏
وفي النهاية، فإن قراءة الدور الجزائري بعيدًا عن المبالغات الدعائية تكشف حقيقة أكثر أهمية: ‏انتصار أكتوبر لم يكن نتاج قوة دولة واحدة فقط، بل نتيجة قدرة مصر وسوريا على إدارة ‏الحرب، وفي الوقت نفسه استفادتا من شبكة واسعة من الدعم العربي العسكري والمالي ‏والسياسي. وكانت الجزائر واحدة من الدول التي حولت تضامنها السياسي إلى مساهمة ملموسة ‏في الحرب، وهو ما جعل اسمها حاضرًا في سجل حرب أكتوبر، ليس كشاهد على المعركة، ‏وإنما كمشارك فيها.‏

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى