
إن القراءة المتأنية في العدد الجديد من مجلة شبابنا التى تصدر عن مؤسسة رسالة السلام العالمية تكشف أن القضية المطروحة ليست مجرد مراجعة لمصطلح تاريخي استُخدم عبر عصور مختلفة، وإنما هي محاولة لطرح سؤال أعمق: كيف يمكن أن يعود الخطاب الديني إلى وظيفته الأساسية في بناء الإنسان وصيانة كرامته وتحقيق السلم المجتمعي؟
وقد تصدّر العدد مقال المفكر العربي علي محمد الشرفاء الحمادي بعنوان: «أهل الذمة لا أساس لها في الإسلام»، وهو عنوان يلفت الانتباه منذ الوهلة الأولى؛ لأنه لا يناقش مسألة فقهية فرعية بقدر ما يفتح بابًا لمراجعة عدد من المفاهيم التي تشكلت تاريخيًا، وأصبحت مع الزمن جزءًا من الثقافة العامة حتى اختلطت عند البعض بجوهر الدين نفسه.
ولاشك أن العدد في مجمله يدور حول فكرة محورية تتمثل في الانتقال من ثقافة التصنيف والتمييز إلى ثقافة الإنسان بوصفه قيمة عليا؛ ولذلك جاءت المقالات والتعقيبات المصاحبة لتؤكد المعنى ذاته من زوايا متعددة، فتحدثت عن التعايش السلمي بين البشر، وعن الإسلام باعتباره دين رحمة وتسامح، وعن احترام معتقدات الآخرين، وعن خطورة توظيف الدين لإنتاج الكراهية والانقسام.
وهنا تتجلى رسالة مهمة؛ فالأزمة الحقيقية لا تبدو في النصوص ذاتها، وإنما في طرائق القراءة والتوظيف. فكم من مفاهيم تحولت عبر التاريخ من وسائل لتنظيم الحياة إلى أدوات للفرقة والصراع، وكم من اجتهادات بشرية اكتسبت مع الزمن قداسة لم تكن لها.
واللافت للنظر أن العدد لم يتوقف عند حدود الطرح النظري، بل قدّم مؤشرات عملية على انتقال هذه الرؤى إلى ساحات أوسع؛ من خلال لقاءات ثقافية ودبلوماسية، وبرامج تعليمية في دول مختلفة، واهتمام جامعات ومؤسسات أكاديمية بتلك الأطروحات. وهذا يشير إلى أن الأفكار عندما تغادر صفحات الكتب لتدخل إلى فضاءات التعليم والحوار المؤسسي، فإنها تبدأ في صناعة أثرها الحقيقي في تشكيل الوعي.
وتأتي العبارة الختامية التي وردت في الصفحة الأخيرة لتبدو وكأنها المفتاح الجامع لخيوط العدد كلها: «إن العودة الصادقة إلى القرآن الكريم وحده هي السبيل لضمان نقاء العبادة وصحة التشريع، والنجاة من البدع والمحدثات التي تزيغ بالناس عن صراط الله المستقيم.»
فالمواد المختلفة، رغم تنوعها، تبدو وكأنها تتحرك في اتجاه واحد: إعادة بناء العلاقة بين الإنسان والدين على أساس الرحمة والعدل والتدبر.
وفي النهاية، يبدو أن العدد الجديد من شبابنا لا يقدم ملفًا حول مصطلح بعينه، بل يطرح قضية أكبر: هل يمكن أن ينتقل وعينا من الانشغال بتقسيم البشر إلى الانشغال ببناء الإنسان؟ لأن مستقبل المجتمعات لا تصنعه الألفاظ وحدها، بل تصنعه الأفكار التي تقف خلفها.





