
أيام عصيبة تمر بها أمة الإسلام .. أيام تختلط فيها القداسة بـ الطقوس.. وترتفع أصوات الموروث فوق نداء السماء .. ثم .. ثم يبرز سؤال يهز الوجدان : هل الحج رحلةٌ إلى الله .. أم إلى الأثر ؟ .. لذا يفتح المفكر العربي الكبير علي الشرفاء الحمادي أبواب التأمل على مصراعيها .. كي يعيد للحج روحه الأولى كما أنزلها الله : عبادة تطهر القلب .. وتحرر الجسد من الرياء والخوف والتلقين .
” لبيك اللهم لبيك ” .. نداء تشرق به الأرواح ثم تخشع له القلوب .. فكيف لـ هذا النداء أن يختزل في زحام يركض نحو الحجر ؟ .. كيف تحولت رحلة الحب إلى طقوسٍ متكلفة ؟ .. كيف بات رمي الجمرات أشبه بـ عرضٍ مسرحي لا يفهم معناه ؟ .. فالحج كما أراده الله نداء للتوحيد لا لتقبيل الجمادات .. دعوة للتجرد لا للتزاحم .. رسالة تنوير لا تكرار أعمى .
أيام قليلة ويقف حجيج الرحمن في عرفات .. يؤدون عبادة ربانية تحرر العقل لا تقيد الجسد .. يلبون نداء إلهي من عند الله .. نداء لا يلبى بالأقدام وحدها انما بالقلوب والفهم والتجرد .. ورغم ذلك نجد كثير من القلوب تتباعد .. ويرفع بعض الناس الشعارات أكثر من الدعوات .. ثم .. ثم يؤدون فريضة الحج لا كما أرادها الله .. انما كما أرادها أرباب الموروث والتقليد في رحلة روحانية يُفترض أنها تُطهّر الروح .. فإذا بها تتحول عند البعض لـ استعراض اجتماعي وتكليف فوق الطاقة .. و .. و صفقات باسم الغفران .
فهل آن الأوان كي ننفض غبار التلقينً .. ثم .. ثم نعود لـ فريضة الحُبّ والحرية كما نزلت من عند الله في قرآنه الكريم ؟ .. هل آن الأوان لـ نغوص معاً في عمق الحقيقة .. ونكشف الستار عن المعنى الغائب لـ رحلة يجب أن تُحررنا لا أن تُقيدنا ؟! .
فتعالوا كي نخلع عن الحج أثقاله .. ونُعيد له هُويته .. كما أرادها الخالق لا كما أرادتها فتاوى عبيد الخالق .
ضجيج وصخب وروايات .. ووسط هذا لا يمكن لنا ان نغفل ما يقدمه المفكر العربي الكبير علي الشرفاء الحمادي من مشروع تنويري ورؤية تصحيحية نحو حج نقي من التكلّف .. كاتباً سلسلة مقالات ومؤلفات تُعيد تعريف العلاقة مع الفرائض .. وعلى رأسها الحج والأضحية ورمي الجمرات وتقبيل الحجر .. بوصفها عبادات مشروطة بالاستطاعة لا بالإجبار .. وبالرحمة لا بـ الفتاوى القاسية التي لا تُراعي حال الناس ولا قدراتهم .
إذ يتحدث علي الشرفاء عن حكمة الحج والمقاصد التي يريدها الله لـ عبادة قائلاً : الحج تربية للنفس .. وتطهير للقلب وتدريب على التحكم في الشهوات .. وتحصين الإنسان من إغواء الشيطان بالتمسك بأخلاق القرآن .. واتباع سيرة الرسول التي ذكرت في آيات الرحمن .
الحج تدريب على تبادل المنافع بين الحجاج .. والتعاون على البر والتقوى .. وكظم الغيظ والعافين عن الناس .. وتهذيب النفس .. وتأكيد العهد بين المسلم المؤمن وبين الله بأن يلتزم بشرعة الله ومنهاجه .. التي تضمنتها آيات الرحمن للتمسك بفروض العبادات والابتعاد عن المحرمات والسيئات .. واحترام حقوق الإنسان .. وتحريم العدوان بين الناس لتحل الرحمة في قلوبهم .. والعدل بينهم .. والإنفاق في سبيل الله ومساعدة المحتاجين ليعود المسلم بعد الحج كأنما ولدته أمه نقي القلب .. طاهر النفس .. متمسك بعده مع الله والحج مرة واحدة كما فعل رسول الله عليه السلام .
ولم يكلف الله الإنسان المسلم الغير قادر صحياً ومالياً فقد أعفاه الله من الحج والمشقة والمعاناة من التزاحم على المناسك .. ولذلك من رحمته سبحانه بلغهم رسوله بقوله عز وجل : ” يريد الله لكم اليسر ولا يريد بكم العسر ” .. وقوله سبحانه وتعالي مخاطباً عباده : ” لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ” .. صدق الله العظيم .. ولذلك اقتضت رحمته بعباده ألا يؤدوا الفروض إلا وفق الاستطاعة .. فالله سبحانه يبين للناس رحمته أعظم من رحمة الإنسان بنفسه .
ويستشهد الشرفاء الحمادي بقول الله سبحانه وتعالى في محكم التنزيل : ” الْحَجُّ أَشْهُرٌمَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَفُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍيَعْلَمْهُ اللّهُ وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىوَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ ” .. صدق الله العظيم .. فهذه الآية ومثلها آيات اخري كثيرة في القرآن الكريم .. تتجلى فيها مناسك الحج بوضوح وفق شرع مُنزل من العليّ القدير .. لا غموض فيها ولا زيادة .
ومع ذلك يطل سؤال صارخ كالسيف .. سؤال يطرق أبواب الفقه والعقل م…




