
شاركت مؤسسة رسالة السلام العالمية في أعمال المؤتمر الدولي المعني بالأطفال العرب في المهجر في العصر الرقمي، المنعقد حاليا في مدينة جنيف، من خلال حضور فكري وثقافي ركز على قضايا الهوية العربية، وحماية اللغة الأم لدى الأجيال الناشئة، وتوظيف التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في تطوير أساليب التعليم، وتعزيز ارتباط الأطفال العرب في المهجر بلغتهم وثقافتهم، دون أن يشكل ذلك عائقا أمام اندماجهم في المجتمعات التي يعيشون فيها.
وفي إطار مشاركتها في المؤتمر، نظمت المؤسسة معرضا للكتاب على هامش الفعاليات، وقدمت للحضور مجموعة من الكتب والإصدارات الفكرية التي تتناول قضايا الوعي الإنساني والسلام والتسامح، في ضوء المشروع الفكري للمفكر الأستاذ علي محمد الشرفاء الحمادي، الذي تقوم رؤيته على استلهام القيم القرآنية في بناء الإنسان، وترسيخ ثقافة السلام والرحمة والعدل والتعارف بين الشعوب.
وشهدت المشاركة تفاعلا من الحاضرين مع الإصدارات المعروضة، حيث أبدى عدد منهم إعجابهم بما تطرحه من أفكار تنويرية تدعو إلى تصحيح الوعي، ونبذ التعصب، وإعلاء قيم السلام والتعايش الإنساني. ووصف بعض الحضور هذا الفكر بأنه يمثل «طوق النجاة للبشرية»، في تعبير عن تقديرهم لما يحمله من دعوة إلى جعل القيم الإنسانية المشتركة أساسا للعلاقات بين الأفراد والمجتمعات.
وفي سياق الفعاليات الفكرية للمؤتمر، ألقى الأستاذ حي معاوية حسن، مدير مكتب مؤسسة رسالة السلام العالمية في موريتانيا، كلمة بعنوان «الهوية العربية للأطفال في المهجر: التحديات والحلول في ضوء رؤية الأستاذ علي محمد الشرفاء الحمادي»، تناول فيها أبرز التحديات التي تواجه الأسر العربية في الحفاظ على هوية أبنائها في بلدان المهجر، والسبل الكفيلة بمواجهة تراجع استخدام اللغة العربية، وضعف الصلة بالتراث والثقافة العربية، وتأثير البيئة الرقمية في تشكيل اهتمامات الأطفال وأنماط تواصلهم.
وأكد حي معاوية حسن أن الهوية العربية لا تختزل في اللغة أو استحضار التراث، وإنما تمثل انتماء ثقافيا وإنسانيا تتكامل في بنائه اللغة والتاريخ والقيم. وشدد على ضرورة تمكين الأطفال من معرفة جذورهم والاعتزاز بثقافتهم، مع تجنيبهم الانغلاق الذي قد يحول الهوية إلى حاجز يفصلهم عن المجتمعات التي ينشؤون فيها.
وأوضح أن الحفاظ على الهوية يبدأ من الأسرة، ويتعزز من خلال التعليم والإعلام والمؤسسات الثقافية، داعيا إلى تطوير أساليب تعليم اللغة العربية بما يجعلها أكثر جاذبية للأطفال، وإنتاج محتوى رقمي تفاعلي يستجيب لاهتماماتهم، وإنشاء نواد ومراكز ثقافية تحتضن الأنشطة الأدبية والفنية، وتربط الأجيال الجديدة بلغتها وتراثها.
وربط المتحدث هذه الرؤية بالمشروع الفكري للأستاذ علي محمد الشرفاء الحمادي، الذي يجعل القرآن الكريم منطلقا لبناء الوعي الإنساني وترسيخ قيم الرحمة والعدل والتسامح والسلام، مؤكدا أن الهوية التي ينبغي نقلها إلى الأجيال الجديدة هي هوية تجمع بين الاعتزاز بالجذور والانفتاح على المعرفة، وبين التمسك بالقيم واحترام الآخرين، بعيدا عن التعصب والإقصاء.
واستشهد في كلمته بقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾، مؤكدا أن التعارف يمثل أساس العلاقة بين الشعوب، وأن الحفاظ على الهوية العربية لا يتعارض مع احترام الثقافات الأخرى والتفاعل الإيجابي معها.
وأشار إلى أن مسؤولية حماية الهوية العربية لدى أطفال المهجر لا تقع على الأسرة وحدها، بل تتطلب شراكة متكاملة بين المؤسسات التعليمية والثقافية والإعلامية والجمعيات العربية، من خلال برامج مستدامة لتعليم اللغة، وتنظيم الأنشطة الثقافية، وإنتاج المحتوى الموجه للأطفال، وتعزيز التواصل بين الأسر والمؤسسات في المهجر والبلدان العربية.
وفي محور آخر يتصل باللغة العربية ووسائل تعليمها، ألقى الأستاذ الحاج محمد الأمين، مدير مؤسسة رسالة السلام العالمية في إسبانيا ومسؤول الأنشطة في أوروبا، كلمة بعنوان «اللغة العربية لأطفال المهجر: التحديات والحلول.. تصميم محتوى تعليمي ذكي باللغة العربية»، ركز فيها على أهمية الانتقال من الأساليب التقليدية في تعليم العربية إلى نماذج تعليمية حديثة تجعل اللغة جزءا محببا من حياة الطفل اليومية.
واستهل الحاج محمد الأمين كلمته بطرح تساؤل حول معنى أن ينشأ طفل عربي بعيدا عن وطنه، دون أن يتمكن من التحدث مع جدته بلغتها، أو فهم حكايات عائلته، أو التعبير عن مشاعره بلغته الأم، موضحا أن المسألة تتجاوز صعوبة تعلم المفردات والقواعد، لتلامس الذاكرة العائلية والارتباط الثقافي والشعور بالانتماء.
ولفت إلى أن الأطفال العرب في المهجر يعيشون في بيئات متعددة اللغات، ويتلقون تعليمهم ويتواصلون مع أقرانهم بلغات مختلفة، في الوقت الذي تستحوذ فيه المنصات الرقمية على جانب مهم من اهتماماتهم. ولذلك، فإن تعليم العربية لا ينبغي أن يظل محصورا في الواجبات والقواعد والحفظ، بل يجب أن يتحول إلى تجربة ممتعة تتيح للطفل التعلم من خلال اللعب والقصة والتفاعل والإبداع.
واستعرض في هذا السياق الإمكانات التي تتيحها التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، من خلال الألعاب التعليمية والتطبيقات التفاعلية والقصص الرقمية التي تسمح للأطفال بالمشاركة في أحداثها، فضلا عن الأدوات التي تساعدهم على تحسين مهاراتهم اللغوية، وتصحيح أخطائهم، وإنتاج قصصهم الخاصة وتحويلها إلى أعمال مصورة.
وشدد على أن التكنولوجيا، على الرغم من أهميتها، لا تستطيع وحدها ضمان بقاء اللغة العربية حاضرة في حياة الأطفال، ما لم تجد دعما من الأسرة والمعلمين والمؤسسات الثقافية، مؤكدا أهمية التعاون بين الجاليات العربية في أوروبا والجهات المعنية بالتعليم والتكنولوجيا من أجل توفير محتوى تعليمي نوعي يراعي أعمار الأطفال واهتماماتهم، ويمنحهم فرصا للتعلم واللعب والإبداع.
وأكد أن الغاية ليست وضع الأطفال أمام خيار بين هويتهم العربية وانتمائهم إلى المجتمعات التي يعيشون فيها، وإنما مساعدتهم على الجمع بين الاعتزاز بجذورهم والانفتاح على محيطهم، بما يتيح لهم امتلاك لغتهم الأم إلى جانب اللغات الأخرى، والاستفادة من التعدد الثقافي الذي يميز حياتهم في المهجر.
وتتقاطع الكلمتان في التأكيد على أن حماية الهوية العربية لدى الأطفال في المهجر ليست دعوة إلى الانغلاق أو الانفصال عن المجتمعات المضيفة، وإنما مشروع تربوي وثقافي يسعى إلى بناء جيل واثق بجذوره، قادر على التواصل مع الآخرين، ومؤهل للاستفادة من أدوات العصر الرقمي في التعلم والإبداع.
وتأتي مشاركة مؤسسة رسالة السلام العالمية في هذا المؤتمر ضمن اهتمامها بنشر المشروع الفكري للأستاذ علي محمد الشرفاء الحمادي، والتعريف بما يطرحه من رؤى تستند إلى القيم القرآنية في بناء الوعي وترسيخ السلام والتسامح والتعارف الإنساني. كما يعكس معرض الكتاب وتوزيع الإصدارات المصاحبة للفعاليات توجها نحو ربط النقاشات الفكرية بالتواصل المباشر مع الجمهور، وإتاحة الفرصة أمام المشاركين للتعرف على مضامين المشروع الفكري للمؤسسة.
وتبرز أهمية هذه المشاركة في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى مبادرات تجمع بين صيانة اللغة العربية وتطوير أدوات تعليمها، وتستثمر الإمكانات الرقمية في خدمة الثقافة والهوية، بما يضمن للأجيال العربية الناشئة في المهجر حقها في الاحتفاظ بلغتها وذاكرتها الثقافية، والمشاركة في الوقت نفسه في بناء مجتمعات أكثر انفتاحا وتفاهما وسلاما. 




