
بعد خمسة عشر عاماً من التدخلات الخارجية والصراعات الداخلية، لا تزال ليبيا تدور في حلقة مفرغة من الأزمات والتسويات المؤقتة. وكأن البلاد لم تغادر محطة فبراير 2011؛ حين لم يسقط النظام السياسي فحسب، بل انهارت معه مؤسسات الدولة وتفككت سلطتها المركزية، لتتحول إلى ساحة مفتوحة لتضارب المصالح الدولية والإقليمية، وسباق القوى المحلية على السلطة والنفوذ والثروة.
ما يثير الأسى أن ليبيا—بثرواتها الهائلة وموقعها الاستراتيجي—لم تكن تفتقر إلى مقومات الدولة المستقرة، بل إلى مشروع وطني يحمي هذه المقومات ويمنع استباحة مقدراتها. تعاقبت الحكومات، وتعددت الاتفاقات والمبادرات، وتوالى المبعوثون الأمميون وخرائط الطريق، وظلت الأزمة تراوح مكانها: هيبة غائبة للدولة، ومؤسسات منقسمة، ومراكز قوى متنفذة، وقرار وطني مرهون بحسابات الخارج والداخل.
في هذا السياق، لا يمكن قراءة إحاطة المبعوثة الأممية إلى ليبيا، «هانا تيتيه»، أمام مجلس الأمن بمعزل عن سجل طويل من الإحاطات الأممية التي تكتفي بتشخيص الأزمة دون إنقاذها. فرغم الإشارة إلى معرقلي التسوية، تكمن المشكلة الحقيقية في غياب التسمية المباشرة للمسؤوليات، والوقوف عند حدود “التلويح” والعقوبات الصورية—ومنها التصريحات الأمريكية بفرض عقوبات عبر مجلس الأمن—دون الانتقال إلى إجراءات رادعة تسائل من يعطل الاستحقاقات ويكرس الانقسام.
لم تكن هذه الإخفاقات مصادفة؛ فالأزمة الليبية لم تعد مجرد خلاف محلي على توزيع السلطة والمناصب، بل باتت ملفاً تتداخل فيه مصالح دولية وإقليمية متشابكة تُدار وفق موازين الصراع خارج الحدود. ومن هنا تتحمل الأمم المتحدة ومجلس الأمن مسؤولية تاريخية؛ فالمنظومة الدولية التي أصدرت قرارات 2011 تحت أحكام الفصل السابع وشرعنت التدخل العسكري (بقيادة الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا وحلف الناتو) لا تملك اليوم رفاهية التعامل مع نتائج ذلك التدخل وكأنها ولدَت من فراغ. لقد أسقط التدخل العسكري الخارجي النظام القائم لكنه ترك البلاد في فراغ أمني ومؤسسي أدى إلى تناسل الميليشيات المسلحة وانحسار سلطة الدولة.
ولم تكن مسارات التسوية الدولية اللاحقة بأفضل حال، بل أسهمت في تكريس الانقسام عبر خلق “أجسام انتقالية” متعاقبة منحِت صلاحيات واسعة دون ضمانات لنهو ولايتها، ليتحول “الجسْر الانتقالي” إلى واقع دائم تتجدد فيه الشرعيات المتنازع عليها، ويضمن بقاء ذات الأشخاص في المشهد.
غير أن المسؤولية الخارجية لا تعفي القوى السياسية الليبية من نصيبها الأكبر. لقد تحولت المؤسسات—المنتخبة منها وغير المنتخبة—من أدوات لإدارة الدولة وخدمة المواطنين إلى خنادق للصراع على الشرعية والموارد، وبات استمرار الانقسام لدى البعض ضامناً لبقائهم. وهكذا أصبح من يملك مفاتيح الحل شريكاً في تعطيله، فتراجعت حقوق المواطنين ومصالحهم، وعاشت البلاد سنوات بلا انتخابات حاسمة، ولا سلطة تنفيذية موحدة، ولا منظومة دستورية مستقرة.
لقد غدت ثروات ليبيا النفطية والمائية وموقعها الجغرافي عوامل جذب للأطماع. وكلما ضعفت الدولة اتسعت رقعة الفساد والعبث بالمال العام واختلال إدارة الإيرادات، ليصل التأثير مباشرة إلى بيت كل مواطن: تراجع في قيمة الدينار، وارتفاع في الأسعار، وتأخر للمرتبات، وتدهور في الخدمات العامة—في مفارقة صارخة بين بلد يسبح على بحر من النفط وشعب يئن تحت وطأة الأعباء المعيشية.
وسط هذا الانسداد، يبرز اتفاق صيغة «4+4» الموقع في 30 أغسطس 2026 برعاية البعثة الأممية كإعادة طرح للمسار الانتخابي (يشمل إعادة تشكيل مجلس المفوضية وتجاوز العوائق الدستورية والقانونية في مدة لا تتجاوز 24 شهراً). وتتوازى مع ذلك المبادرة الأمريكية التي يقودها مستشار الرئيس للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس كمسار مكمل للخارطة الأممية.
لكن العبرة ليست بتعدد المبادرات حتى لا تتحول إلى سباق وصاية بين القوى الخارجية. المعيار الحقيقي هو مدى قدرتها على إنهاء التدخلات وتوحيد المؤسسات واحترام الإرادة الوطنية. كما أن المطلوب في المسار الدستوري والانتخابي ليس مجرد إجراء “اقتراع” قد يعيد إنتاج النزاع، بل توفير قاعدة دستورية وقانونية موحدة، وإجراءات أمنية ضامنة، وتوافق حقيقي على التداول السلمي للسلطة والتزام كامل بتبعات النتائج.
إن الدرس الأهم الذي يجب أن تدركه القوى السياسية الليبية هو أن الاستقواء بالخارج لا يبني وطناً. التنافس مع الشريك الوطني—مهما بلغت حدة الخلاف—يجب أن يبقى خلافاً سياسياً محلياً قابلاً للحوار والتسامح، ولا يجوز بحال تحويله إلى مبرر للتفريط في السيادة أو استدعاء التدخل العسكري أو السياسي أو الإعلامي الأجنبي.
إن الدعوة إلى “رفع الأيدي الأجنبية عن ليبيا” ليست انغلاقاً عن العالم، بل هي رفض قاطع للوصاية وتدويل القرار الوطني. على المجتمع الدولي والأمم المتحدة مراجعة سياساتهما والتوقف عن إدارة الأزمة كملف لتبادل المصالح، والعمل على دعم سيادة ليبيا واستقلالها.
وفي المقابل، تقع على عاتق الليبيين مسؤولية تاريخية؛ فلم يعد مقبولاً انتظار توافق العواصم الخارجية ليتوافق أبناء الوطن. المطلوب هو صياغة آلية وطنية انتقالية محددة المهام والمدة تتولى توحيد المؤسسات وتجهيز البيئة الأمنية والقانونية لإجراء الانتخابات.
ليبيا ليست غنيمة تُتقاسم، ولا ساحة لتصفية الحسابات الدولية، بل هي وطن لكل الليبيين.
الرسالة للخارج واضحة ومباشرة: ارفعوا أيديكم عن ليبيا، واتركوا لليبيين حق تقرير مصيرهم.
والرسالة للداخل أشد وضوحاً: إن استعادة السيادة الوطنية لا تبدأ بمطالبة الأجنبي بالرحيل فحسب، بل تبدأ بإنهاء أسباب وجوده، وتوحيد الصفوف، وبناء دولة المؤسسات والقانون.
اشتيوي الجدي
دبلوماسي ليبي سابق




