أخبار مصر

السعودية في حرب أكتوبر.. حين تحوّل التضامن إلى موقف سياسي وعسكري ونفطي

الرياض- رانيا ضيف
اتسعت جبهة المعركة العربية في مواجهة إسرائيل خلال حرب السادس من أكتوبر 1973، إلى ما هو أبعد من قناة السويس ومرتفعات الجولان، فبينما كانت القوات المصرية والسورية تخوض المواجهة المباشرة مع إسرائيل، كانت عواصم عربية أخرى تتحرك لتوفير الدعم السياسي والمالي والعسكري، وتحويل حالة التضامن إلى أدوات فعلية تساند دول المواجهة. وفي قلب هذا المشهد جاءت المملكة العربية السعودية بقيادة الملك فيصل بن عبد العزيز، لتقدم نموذجًا بارزًا للتضامن العربي متعدد المسارات.
من الرياض تحرك الدعم نحو مصر وسوريا، عبر المساندة المالية والمشاركة العسكرية على الجبهة، بينما اتخذت المملكة موقفًا سياسيًا واضحًا من الحرب وتطوراتها، ثم جاءت ورقة النفط لتمنح الموقف العربي بعدًا دوليًا غير مسبوق، بعدما شاركت السعودية في قرار خفض الإنتاج ووقف الإمدادات عن الولايات المتحدة ودول أخرى دعمت إسرائيل، فتحولت حرب أكتوبر من مواجهة عسكرية في الشرق الأوسط إلى أزمة سياسية واقتصادية شغلت العالم.
لهذا ارتبط اسم الملك فيصل بحرب أكتوبر بوصفه أحد القادة العرب الذين تعاملوا مع المعركة باعتبارها قضية تتطلب أكثر من البيانات والمواقف السياسية؛ قضية تحتاج إلى المال والسلاح والدبلوماسية واستثمار أدوات القوة الاقتصادية. ومن هنا تكتسب المشاركة السعودية أهميتها في قراءة الصورة الكاملة لحرب أكتوبر، باعتبارها أحد أبرز نماذج التضامن العربي الذي اتخذ في تلك اللحظة صورة عملية ومباشرة.
من التضامن السياسي إلى المساندة الفعلية
تكشف وثائق أمريكية أن الرئيس أنور السادات كان ينظر إلى السعودية باعتبارها المصدر الأهم للموارد المالية العربية اللازمة لدعم المواجهة مع إسرائيل، وفي عام 1973 وحده، أشارت التقديرات إلى حصول مصر على مئات الملايين من الدولارات من السعودية والكويت والإمارات، كما كانت الرياض مستعدة للمساعدة في توفير المعدات العسكرية لمصر وهو ما تؤكده الهيئة العامة للاستعلامات المصرية من أن الدعم السعودي لمصر استمر خلال حرب أكتوبر، وشمل المساعدة المالية واستخدام النفط كأداة استراتيجية، مشيرة إلى أن الملك فيصل قدم 200 مليون دولار للقوات المسلحة المصرية، فيما شارك الأمير سلطان بن عبد العزيز في زيارة الجبهة المصرية خلال الحرب.
قوات سعودية على الجبهة السورية
أحد الجوانب التي كثيرًا ما تختفي خلف الحديث عن القرار النفطي هو المشاركة العسكرية السعودية المباشرة، فقد أرسل الملك فيصل قوات سعودية إلى سوريا للمشاركة في القتال على الجبهة السورية. وتظهر الوثائق الأمريكية أن الملك حسين أُبلغ في أكتوبر 1973 بطلب الملك فيصل السماح للقوات السعودية الموجودة في الأردن بالتحرك إلى الجبهة السورية، وأن ترتيبات نقل هذه القوات جرت بالفعل عبر الأراضي الأردنية، كما تورد مصادر عسكرية تاريخية أن قوات سعودية شاركت إلى جانب القوات السورية والأردنية والعراقية في معارك الجولان، وأن القوات السعودية ضمت وحدات مدرعة وقوات مشاة ووحدات إسناد.
المال في خدمة المجهود الحربي
وكان الدعم المالي أحد أهم جوانب الدور السعودي فبعد حرب 1967، أصبحت السعودية من أبرز الدول العربية الداعمة لدول المواجهة، واستمر هذا الدور وصولًا إلى حرب أكتوبر. وكانت القاهرة في حاجة إلى موارد مالية ضخمة لإعادة بناء قدراتها العسكرية وتعويض آثار حرب الاستنزاف وتجهيز القوات للمعركة المقبلة، وتكشف وثائق أمريكية تعود إلى عام 1973 أن السعودية ودولًا خليجية أخرى قدمت مساعدات مالية كبيرة لمصر، وأن الرياض كانت مستعدة أيضًا للمساعدة في شراء المعدات العسكرية.
النفط.. الورقة التي نقلت المعركة إلى الاقتصاد العالمي
لكن أكثر صور الدور السعودي حضورًا في التاريخ الدولي لحرب أكتوبر بقيت مرتبطة بالنفط. في 17 أكتوبر 1973، اتخذ وزراء النفط العرب قرارًا بخفض الإنتاج بنسبة لا تقل عن 5% شهريًا، وربطوا استمرار هذه التخفيضات بانسحاب إسرائيل من الأراضي التي احتلتها عام 1967 واستعادة الحقوق الفلسطينية. كما نص القرار على استمرار الإمدادات للدول التي تقدم مساعدة فعلية للعرب، مع التهديد بوقفها عن الدول التي تستخدم قواتها لمساندة إسرائيل.
وفي 20 أكتوبر أعلنت الرياض وقف صادرات النفط إلى الولايات المتحدة، في خطوة أصبحت واحدة من أبرز أدوات الضغط العربية على واشنطن خلال الأزمة، وتوضح الوثائق الأمريكية أن الرسالة السعودية كانت واضحة، استمرار الحظر مرتبط باستمرار الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية التي كانت قائمة قبل حرب يونيو 1967، وهنا تحولت حرب أكتوبر من مواجهة عسكرية في سيناء والجولان إلى أزمة استراتيجية عالمية. فالولايات المتحدة والدول الأوروبية واليابان لم تعد تتعامل مع الحرب باعتبارها أزمة شرق أوسطية محدودة، وإنما مع أزمة يمكن أن تمس أمن الطاقة والاقتصاد العالمي.
وتؤكد وزارة الخارجية الأمريكية أن الحظر النفطي كشف حجم التناقض في السياسة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط، بين دعم إسرائيل والحفاظ على العلاقات مع الدول العربية المنتجة للنفط، كما أدى إلى ضغوط اقتصادية واسعة في الدول المستوردة للطاقة، لكن من المهم تاريخيًا ألا يُختزل القرار في عبارة «السعودية قطعت النفط عن الغرب» فقط؛ فالقرار كان جزءًا من تحرك جماعي للدول العربية المنتجة للنفط، وكانت السعودية إحدى القوى الرئيسية فيه، بحكم حجم
تضامن عربي في مواجهة حليف قوي
كان القرار السعودي أكثر حساسية لأنه جاء في مواجهة الولايات المتحدة، الدولة التي كانت تقدم دعمًا عسكريًا واسعًا لإسرائيل، وفي 14 أكتوبر، أبلغ وزير الخارجية الأمريكي هنري كيسنجر الملك فيصل بأن واشنطن ستبدأ جسرًا جويًا لإمداد إسرائيل بالمعدات، في وقت كانت السعودية تتجه فيه إلى تشديد موقفها النفطي، وهكذا وجدت العلاقات السعودية الأمريكية نفسها أمام اختبار غير مسبوق. فالرياض لم تكن تسعى إلى قطع علاقاتها بالولايات المتحدة، لكنها في الوقت نفسه لم تقبل أن يؤدي التحالف السياسي إلى التخلي عن موقفها من الأراضي العربية المحتلة.
وتظهر وثائق لاحقة أن الملك فيصل كان ينظر إلى النفط باعتباره الورقة الأكثر فاعلية المتاحة للعرب في تلك اللحظة، وأن الرياض ربطت تغيير سياستها النفطية بخطوات سياسية نحو تسوية عادلة وانسحاب إسرائيلي من الأراضي المحتلة.
مضخات المياه.. رواية شعبية عن التضامن
من أكثر القصص انتشارًا في الرواية الشعبية عن الدور السعودي في حرب أكتوبر قصة مضخات المياه التي استخدمتها القوات المصرية لفتح الثغرات في الساتر الترابي لخط بارليف، ثم ارتباط إحدى هذه المضخات لاحقًا بنافورة جدة.
القصة وردت في تقارير صحفية سعودية ومصرية، ونُسبت أيضًا إلى الأمير بندر بن سلطان في تصريحات لاحقة، وتقول الرواية إن السعودية اشترت مضخات مياه عالية القدرة وسلمتها إلى مصر بصورة لا تكشف الغرض العسكري منها، لكن هذه الجزئية تحديدًا ينبغي تقديمها صحفيًا باعتبارها «رواية موثقة في مصادر صحفية لاحقة»، لا باعتبارها حقيقة عسكرية حاسمة لا خلاف حولها.
فالوثائق والمصادر المصرية التي تتناول عملية فتح الساتر الترابي تؤكد أن القوات المصرية استخدمت مضخات مياه عالية الضغط لإزالة ملايين الأمتار المكعبة من الرمال، وأن فكرة استخدام المياه ارتبطت باللواء المهندس باقي زكي يوسف. كما تذكر مصادر مصرية أن المضخات جرى الحصول عليها لأغراض عسكرية مع تمويه مصدر استخدامها، أما نسبة المضخات تحديدًا إلى السعودية، وقصة استخدام إحدى المضخات لاحقًا في نافورة جدة، فهي رواية متداولة على نطاق واسع في الصحافة العربية، لكنها تحتاج عند تناولها في عمل تاريخي توثيقي إلى فصلها عن الحقائق العسكرية المثبتة حول خطة اقتحام الساتر الترابي.
ما الذي صنعه الموقف السعودي؟
إذا جُمعت عناصر الدور السعودي بعيدًا عن المبالغة، تظهر أمامنا أربعة مسارات متكاملة، الأول كان ماليًا، عبر دعم دول المواجهة ومساندة المجهود الحربي، والثاني عسكري، من خلال إرسال قوات سعودية إلى الجبهة السورية والمشاركة في العمليات إلى جانب القوات العربية، والثالث سياسي ودبلوماسي، من خلال دعم الموقف العربي والضغط على الولايات المتحدة والقوى الغربية من أجل تغيير طريقة تعاملها مع الصراع، أما الرابع فكان اقتصاديًا واستراتيجيًا، وتمثل في استخدام النفط ضمن القرار العربي بخفض الإنتاج وحظر الإمدادات على الولايات المتحدة ودول أخرى دعمت إسرائيل.
وهنا يمكن القول “لم يكن نصر أكتوبر نتيجة عامل واحد، ولا يمكن اختزال الحرب في دور دولة بعينها. القوات المصرية والسورية خاضت المعارك الأساسية، وشاركت دول عربية أخرى في الحرب أو قدمت أشكالًا مختلفة من الدعم”.
لكن تجربة 1973 كشفت شيئًا مهمًا في العلاقات العربية: أن التضامن لا يعني بالضرورة أن تخوض جميع الدول المعركة بالطريقة نفسها. فالدولة التي لا تمتلك حدودًا مع أرض المعركة تستطيع أن تدعمها بالمال، والدولة التي تمتلك قوات يمكن أن ترسلها إلى الجبهة، والدولة ذات الوزن الاقتصادي تستطيع استخدام مواردها للضغط السياسي، بينما تتحرك دول أخرى في المحافل الدولية.

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى