
أصدر مركز رع للدراسات الاستراتيجية، بالتعاون مع مؤسسة رسالة السلام العالمية، دراسة بحثية جديدة بعنوان: “الصراع على الحكم في التاريخ الإسلامي وأثره على التنظيمات الأيديولوجية المعاصرة”، وذلك ضمن سلسلة الدراسات المتخصصة التي يعمل الطرفان على إطلاقها بهدف تفكيك القضايا الفكرية والتاريخية المرتبطة بظواهر التطرف والعنف والتنظيمات الأيديولوجية في المنطقة العربية والإسلامية.
وتأتي الدراسة، التي أعدتها د. أسماء دياب، في سياق اهتمام متزايد بإعادة قراءة التحولات السياسية والفكرية التي شهدها التاريخ الإسلامي، وكيف جرى توظيفها لاحقًا داخل أدبيات الحركات والتنظيمات المتطرفة، بداية من جماعة الإخوان المسلمين وصولًا إلى التنظيمات الجهادية الأكثر تشددًا مثل القاعدة وداعش. وتطرح الدراسة مقاربة تحليلية تربط بين الصراعات السياسية المبكرة داخل الدولة الإسلامية، وبين تطور مفاهيم الحاكمية والطاعة والشرعية والتكفير داخل الخطاب الأيديولوجي المعاصر.
وتنطلق الدراسة من فرضية رئيسية مفادها أن الأزمات السياسية التي شهدتها الدولة الإسلامية عقب وفاة النبي محمد صلى الله عليه وسلم لم تتوقف عند حدودها التاريخية، بل تحولت مع الوقت إلى مرجعيات فكرية وتنظيمية أعادت الجماعات الأيديولوجية المعاصرة توظيفها داخل مشاريعها السياسية والتنظيمية. وتشير الدراسة إلى أن أحداثًا مثل السقيفة، والفتنة الكبرى، وصفين، والتحكيم، وظهور الخوارج، ثم التحول من الخلافة إلى الملك الوراثي، أسست لمسار طويل من الانقسامات الفكرية والسياسية التي امتدت آثارها إلى العصر الحديث.
وتوضح الدراسة أن لحظة السقيفة لم تكن مجرد خلاف سياسي عابر حول اختيار الخليفة، وإنما شكلت بداية الجدل التاريخي حول مفهوم الشرعية السياسية وحدود العلاقة بين الدين والسلطة، وهو الجدل الذي أعادت الحركات الإسلامية المعاصرة استدعاءه وتوظيفه داخل خطابها السياسي والتنظيمي. كما تتناول الدراسة كيف تحولت مفاهيم مثل “البيعة” و”السمع والطاعة” من أدوات لضبط الانتقال السياسي في الدولة الناشئة، إلى مفاهيم تنظيمية مغلقة داخل بعض الجماعات الأيديولوجية التي قدمت الولاء للتنظيم على حساب الدولة الوطنية.
وفي سياق تحليلها للفتنة الكبرى، تؤكد الدراسة أن مقتل عثمان بن عفان وما تلاه من صراعات دامية مثل معركتي الجمل وصفين، مثّل نقطة تحول خطيرة في التاريخ السياسي الإسلامي، حيث جرى الانتقال من إدارة الخلاف عبر الشورى والتوافق، إلى استخدام القوة والعنف المباشر كأداة لحسم الصراع السياسي. وترى الدراسة أن هذه المرحلة شهدت البذور الأولى لفكرة “العنف المؤدلج”، التي أعادت التنظيمات المتطرفة الحديثة إنتاجها تحت شعارات مثل “إقامة الحكم الإسلامي” و”التمكين” و”الحاكمية”.
كما تتوقف الدراسة عند ظهور الخوارج بوصفهم أول تيار منظم يوظف التكفير السياسي ضد الخصوم، معتبرة أن هذه اللحظة التاريخية أسست لعدد من المفاهيم التي أصبحت لاحقًا جزءًا من البنية الفكرية للجماعات المتشددة، مثل تكفير السلطة والمجتمع، وشرعنة العنف، وتحويل الخصم السياسي إلى “خصم ديني”. وترى الدراسة أن هذا المسار الفكري تطور لاحقًا داخل جماعات أكثر تطرفًا، وصولًا إلى التنظيمات الإرهابية المعاصرة التي تبنت خطاب المواجهة الشاملة مع الدولة والمجتمع.
وتخصص الدراسة محورًا كاملاً لرؤية المفكر العربي علي محمد الشرفاء الحمادي، والتي تربط بين الصراع على السلطة بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم وبين ما تصفه الدراسة بـ”هجرة أحكام القرآن” لصالح المصالح السياسية والصراعات القبلية. وتوضح الدراسة أن رؤية الشرفاء تقوم على اعتبار أن القرآن وضع منظومة متكاملة للعدل والرحمة وحرية الإنسان، إلا أن الانحراف عن هذه المرجعية القرآنية أدى إلى تحولات سياسية ومذهبية عميقة أسست للعنف والصراعات الداخلية.
وتشير الدراسة إلى أن الشرفاء الحمادي يربط بين توظيف الدين في الصراع على الحكم وبين ظهور الجماعات المتطرفة التي احتكرت تفسير الدين ومنحت نفسها حق الوصاية على المجتمعات، مؤكدة أن التنظيمات المتشددة المعاصرة ليست سوى امتداد لمسار تاريخي طويل بدأ مع تحويل الدين من رسالة أخلاقية وإنسانية إلى أداة للصراع السياسي. كما تستعرض الدراسة عددًا من الآيات القرآنية التي استند إليها الشرفاء في نقده لمسار الصراع على السلطة، خاصة الآيات المرتبطة بالعدل وحرية الاعتقاد ورفض الإكراه والعنف.
وتنتقل الدراسة بعد ذلك إلى تحليل التحول من نظام الخلافة إلى الملك الوراثي، موضحة أن قيام الدولة الأموية مثّل نقطة تحول مركزية في طبيعة الحكم داخل العالم الإسلامي، بعدما انتقلت السلطة من نموذج يقوم – نظريًا – على الشورى والبيعة العامة، إلى نموذج سياسي وراثي يعتمد على القوة وإعادة إنتاج السلطة داخل البيت الحاكم. وترى الدراسة أن هذا التحول ساهم في اتساع الفجوة بين المثال الديني والممارسة السياسية، وهو ما خلق لاحقًا خطابًا أيديولوجيًا قائمًا على فكرة “استعادة الخلافة” باعتبارها مشروعًا سياسيًا ودينيًا.
وتؤكد الدراسة أن التنظيمات الأيديولوجية المعاصرة، وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين، لم تتعامل مع التاريخ الإسلامي بوصفه مادة معرفية فقط، وإنما باعتباره مخزونًا تعبويًا يمكن توظيفه لإنتاج الشرعية السياسية والتنظيمية. وتشير إلى أن الجماعة أعادت استدعاء عدد من أحداث الصراع السياسي المبكر لتقديم مشروعها السياسي باعتباره امتدادًا تاريخيًا لفكرة “الحكم الإسلامي”، وهو ما انعكس لاحقًا على بنية التنظيم المغلق وأدبيات الطاعة والولاء والتمكين.
وتخلص الدراسة إلى أن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في وجود خلاف سياسي داخل المجتمعات، وإنما في تحويل هذا الخلاف إلى صراع ديني يحتكر فيه طرف واحد تفسير الحقيقة والشرعية. كما تحذر من خطورة القراءة الانتقائية للتاريخ الإسلامي، والتي تقوم بها بعض الجماعات والتنظيمات لتبرير مشاريعها السياسية والعنيفة، مؤكدة أن استدعاء التاريخ خارج سياقه الموضوعي يفتح الباب أمام إعادة إنتاج الأزمات والانقسامات ذاتها داخل المجتمعات المعاصرة.
وتعد هذه الدراسة هي الإصدار الأول ضمن سلسلة دراسات متخصصة يصدرها مركز رع للدراسات الاستراتيجية بالتعاون مع مؤسسة رسالة السلام العالمية، بهدف تقديم قراءات فكرية وتحليلية معمقة للقضايا المرتبطة بالتطرف والتحولات المجتمعية والصراعات الفكرية في العالم العربي والإسلامي، عبر مقاربات تجمع بين التحليل التاريخي والفكري والسياسي.




